نص الشريط
علاقة الزهراء (صلوات الله عليها) بالثروة
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مسجد الحمزة بن عبدالمطلب | سيهات
التاريخ: 13/1/1443 هـ
مرات العرض: 675
المدة: 00:49:47
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (78) حجم الملف: 14.2 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ [الحشر: 7]

صدق الله العلي العظيم

انطلاقاً من الآية المباركة نتحدث في محورين:

المحور الأول: هل من شأن النبي أن يمتلك ثروة ومالاً أم لا.

حتى نصل إلى صلب هذه النقطة نذكر هنا ما هي رؤية الإسلام إلى الملكية، هنا اتجاهان: الاتجاه الاشتراكي والاتجاه الإسلامي.

الاتجاه الاشتراكي: دعا الاتجاه الاشتراكي إلى إلغاء الملكية الفردية وهو ما يعبر عنه بتأميم الملكية؛ أي جعل جميع الثروات من المعادن والطاقات ملكاً للمجتمع بأسره، والمجتمع هو الذي يملك الثروة لا الإنسان، وقد طرح المذهب الاشتراكي هذه المقولة: من كل حسب طاقته لكل حسب حاجته؛ أي أن كل واحد من أبناء المجتمع يعمل ويكدح ويبذل طاقته، ولكن لا يعطى ربحاً بقدر ما بذل، وإنما يعطى بقدر ما يحتاج، فتوزع الثروة على الناس بقدر الحاجة، وتبقى الثروات والطاقات ملكاً للأمة بأسرها، وللمجتمع بأسره، فلذلك لا يوجد غني ولا يوجد ثري، والثروة توزع على الجميع بحسب الحاجة، لأنها ملك للمجتمع بأسره.

الاتجاه الديني: فتح الدين الباب أمام الملكية الفردية، فمن حقك أن تتملك كفرد، وأن تمتلك ثروات وطاقات ومعادن بقدر إنجازك وإنتاجك، فأنت لا تملك بقدر حاجتك فقط، بل تملك بقدر إنجازك وإنتاجك؛ فإلغاء الملكية الفردية هو إلغاء لحيثية الإنسان، والإنسان يمتلك حاجات أساسية مقومة لإنسانيته؛ أي أن الإنسان بما هو إنسان يمتلك هذه الحاجات الأساسية، كحاجة الإنسان إلى الطعام، لا تستطيع أن تلغيها، وحاجة الإنسان إلى الجنس لا تستطيع أن تلغيها؛ لأنها حاجة أساسية، وحاجة الإنسان إلى التملك أيضاً لا تستطيع أن تلغيها لأنها حاجة أساسية، إنما الدين قنن هذه الحاجات؛ أي فتح للإنسان أن يشبع جوعه ولكن بحدود ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف: 31]، فتح للإنسان باب إشباع حاجته إلى الجنس لكن قال ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ «5» إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ «6» [المؤمنون: 5 - 6] ووضع حدود لإشباع هذه الغريزة، كذلك الملكية فقد فتح باب الملكية الفردية، ومن حق الإنسان أن يمتلك ما أنجز وما أنتج؛ لأنه لو ألغيت الملكية الفردية لكان ذلك إلغاء لإنسانية الإنسان، مثل أن تقول ليس من حق الإنسان أن يتزوج فهذا إلغاء لإنسانيته، أو أن تقول أنه ليس من حق الإنسان أن يأكل ويشرب لأن هذا إلغاء لإنسانيته، لأن إنسانيته تقوم على هذه الحاجات، حاجته للطعام، حاجته للهواء، حاجته لإشباع غرائزه أيضاً.

ومن حاجاته المقومة له حاجته لأن يتملك، إلغاء الملكية هو إلغاء لإنسانية الإنسان، لذلك الإسلام لم يلغي الملكية وإنما جعل الملكية الفردية في إطار الملكية العامة. عندما نقرأ الآية المباركة ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الحشر: 6]، ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ [الحشر: 7] فقد وزع الثروة على كل هذه الأصناف، الله، والرسول، ولذي القربى، اليتامى المساكين، وابن السبيل، وبهذا التوزيع حتى لا تتكدس الثروة عند جماعة معينة ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ.

إذن الإسلام لاحظ في الملكية الفردية أن لا تتكدس الثروات عند فئة معينة، وأن لا تكون الملكية الفردية على حساب الملكية العامة، مثلاً ما ورد عن الرسول محمد : ”من أحيا أرضاً مواتاً فهي له“، أيُ إنسان يحيي أرضاً في الصحراء، يحييها بالزراعة والبناء فهو يملكها. مثلاً إنسان يستطيع أن يحيي ألف متر، لكن لو أتينا إلى شخص آخر يملك شركة عمال كبيرة ويستطيع أن يحيي أرض مليون متر أو عشرة ملايين متر، هنا جاء التزاحم بين الملكية الفردية وبين الملكية العامة، فلو فتحنا باب الملكية الفردية على مصراعيه فالدين يقول تملك ما تحوز، أما إذا كان يحوز عشرة ملايين متر ويستطيع أن يحييها بسهولة، لملكيته لشركات قادرة على ذلك فهل يملكها؟ إذا كان كذلك فسوف تصبح الأراضي في يد أشخاص محدودين؛ لأنهم يمتلكون الثروة والشركات والقدرة الكبيرة فسوف تتكدس الثروات عند فئة معينة دون غيرهم والقرآن يقول: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ، إذن الملكية الفردية مفتوحة أمامك أنجز، وأنتج وتملك لكن لا على حساب الملكية العامة، ولا على حساب ملكية الفقراء والمحتاجين، ولا إلى تكدس الثروات عند فئة معينة.

من هنا ننتقل إلى أن الملكية على أقسام: ملكية عامة، ملكية للمنصب، ملكية لشخص الإمام بحيثية الإمامة، الملكية الشخصية.

النوع الأول: الملكية العامة.

كمن يقف أرضاً له للمسلمين فتصبح ملكية عامة لجميع المسلمين، الإمام علي حفر أرض ينبع، وهي أرضاً أقطعها إياها رسول الله ، زرعها وأجرى أنهارها فلما أينعت وأورقت وأثمرت وقفها، قال: إنها صدقة بتة بتلاء لحجاج بيت الله والعابرين في سبيل الله. أرض ضخمة وقفها على حجاج بيت الله والعابرين في سبيل الله.

النوع الثاني: ملكية المنصب.

خلاف موجود عند الفقهاء في معنى الآية المباركة عندما نقرأ قول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ [الأنفال: 41] فمن الذي يملك هل هو شخص الرسول أو مقام الرسول؟ هنا رأيان للفقهاء:

الرأي الأول: أن الذي يملك هو المقام، فالرسول يمثل موقع الإمامة والمعصوم يخلفه في ذلك الموقع، وموقع الإمامة هو الذي يمتلك الخمس، وهو الذي يمتلك الأنفال ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ [الأنفال: 1] موقع الرسالة وموقع الإمامة هو الذي يمتلك وليس شخص الرسول، وهذا ما يسمى ملكية المنصب.

الرأي الثاني: أن الرسول يملك والإمام يملك، ولكن ملكية لا تقبل الإرث ولا تقبل الهبة؛ أي أن الإمام رسولاً أو معصوماً يمتلك الخمس، ولكن ملكية الخمس لا تنتقل إلى ورثته ولا تقبل الهبة إلى غيره، ملكية هو يملكها وهذا المملوك مصرفه الأمة بأسرها، مصرفه مصالح الأمة، ومصرفه تشييد الدين وإعلاء كلمة الإسلام، مع أنه ملك شخصي لكن ملكه الرسول من جهة الإمامة، فلأنه ملكه من جهة الإمامة فمصرفه مصارف الإمامة، ومصارف الإمامة هي مصالح المسلمين وتشييد الدين وإعلاء كلمة الإسلام.

النوع الرابع: الملكية الشخصية.

تستنكر بعض الأقلام أن يملك الرسول ملكية فردية، فكيف يكون ذلك؟ أليس من حق الرسول الزواج وأن يعيش مثل البشر؟ فكما أنه من شأنه أن يتزوج ومن شأنه أن ينجب فمن شأنه أيضاً أن يمتلك، هو كبقية المسلمين يمتلك كما يمتلك غيره، لا تنافي بين مقام النبوة وبين الملكية، مقام النبوة مقام الوحي والعصمة والولاية، وفي نفس الوقت الرسول كما أنه نبي فهو إنسان من حقه أن يتزوج ومن حقه أن يمتلك كسائر المسلمين، لذلك ذكر بعض المؤرخون كما في فتوح البلدان إلى البلاذري يقول: لما مات رسول الله كان عنده أملاك شخصية، فقد كان يملك ستة أفراس وبغلتين وشاتين وكان يمتلك بيوته، وكان يمتلك درعاً وسيفاً وخاتماً وفراشاً وأثاثاً. وكل هذا كان ملك شخصي لشخص الرسول .

بعض الأقلام تكتب بأن الآية المباركة عندما قالت تخاطب زوجات الرسول ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا «32» وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ «33» [الأحزاب: 32 - 33] فلماذا قالت الآية ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ لماذا لم تقل في بيوت النبي، فهذا معناه أن النبي لا يمتلك بيت، لديه تسع زوجات ولكل زوجة دار، وما تركه من دور فهو ملك لزوجاته وليس ملكاً له لأن القرآن قال ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ، وهذا التفسير غير صحيح، لأن علماء اللغة يقولون يكفي في الإضافة أدنى ملابسة، فإذا استأجرت بيتاً يقال لك أدخل بيتك مع أنه بيت مستأجر وأنت لا تملك عينه، أو عندما تقول إلى ابنك ادخل غرفتك مع أنه لا يمتلك الغرفة، هذا التعبير العربي باعتبار علاقة الإضافة لأن هذه الدار مضافة لك فأقول لك أدخل دارك وإن كنت لا تملكها؛ لأن الدور التي شيدها الرسول شيدها لزوجاته؛ أي لأجل أن تسكنها زوجاته فلذلك قال القرآن ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ لا لأن البيوت ملك للزوجات، ولم يكن الرسول يملك داراً أو يمتلك بيتاً، بل الرسول ملك حال حياته كما عددنا ما تركه من أملاك عندما عرجت روحه إلى ربه تبارك وتعالى، إذن من حق الرسول أن يمتلك مثله من غيره من المسلمين.

المحور الثاني: هل كانت فدك ملكاً لشخص فاطمة أم كانت وقفاً على البيت العلوي؟

فدك أرض واسعة كان يسكنها اليهود، فلما فتحت خيبر فتحت بالسيف، وقد اطلع اليهود المقيمين في أرض فدك على ما حدث في خيبر، فأرسلوا رسولاً من قبلهم للمصالحة مع الرسول حتى لا يصلهم المسلمون، فأرسلوا رسولاً ليصالح الرسول على نصف أراضيهم، أقبل الرسول إلى النبي وأخبره أن يهود أرض فدك يريدون الصلح ولا يريدون الخروج من أراضيهم، فصالحهم الرسول على نصف الأراضي، فسلموا إلى رسول الله نصف أراضيهم المزروعة، أي نصف تلك الأرض المعبر عنها بفدك.

لما وصلت وأصبحت تحت سلطة النبي نزلت هذه الآية المباركة ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الحشر: 6]، فمآل هذه الأرض ما ذكرته الآية الشريفة ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ [الحشر: 7] الرسول أعطى فدكاً لفاطمة الزهراء هنا يأتي سؤالان:

السؤال الأول: هل من حق الرسول أن يقتطع الأراضي للناس أم لا؟

الجواب: طبعاً من سلطته فهو رسول ورئيس دولة، وهذه الأراضي أصبحت تحت يده فمن ولايته أن يتصرف بها بالشكل المناسب، ويقول القرآن عنه ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب: 6] أي أن الرسول له الولاية على الأنفس فضلاً عن الأموال، مقتضى ولايته ، أن الأرض إما أن يُدخلها ضمن بيت المال خزانة الدولة، وإما أن يقفها، وإما أن يقطعها لأحد؛ أي أن يهبها لأحد لأجل حكمة من الحكم.

يقول المؤرخون ومنهم البلاذري أن الرسول أقطع أراضي من يهود بني النضير لأبي بكر وبعضها لعبد الرحمن بن عوف وبعضها إلى أبي دجانة وبعضها إلى الزبير، أي أن الرسول أقطع أصحابه عدة أراضي إذن من ولاية الرسول أن يهب وأن يقطع بعض الأراضي لمن يرى ولمن يشاء، وبعض الفقهاء يقول أن الرسول من حقه أن يقطع بعض الأراضي جزاء لخدمة، خدمة للدين، أو خدمة للمجتمع الإسلامي، فمن حق الرسول أن يقطعه ويهبه، لذلك هذا هو مقتضى ولاية الرسول .

السؤال الثاني: هل من المناسب لشأن الرسول أن يقطع ابنته هذه الأرض الواسعة؟ وهل ينسجم مع مقام الرسول وهو الإنسان الصادق الأمين الذي يقول عنه القرآن الكريم ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة: 128] وهل ينسجم مع رحمته ورأفته أن يميز ابنته على الأخرين ويعطيها هذه الأرض الواسعة ألا وهي أرض فدك، هذا ما تفعله الملوك والسلاطين، وهذا تكديس للثروة عند أسرته وبناته وأولاده، فهل هذا ينسجم مع مقامه النبوي أم لا؟

الجواب: نجيب عن هذا السؤال بوجهين:

الوجه الأول: تمليك ذي القربى ضرورة قرآنية، نحن لا نخرج عن القرآن والرسول يمضي على ضوء الدستور القرآني، والدستور القرآني نص على ضرورتين لا محيص منهما:

الضرورة الأولى: مودة ذي القربى ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [الشورى: 23].

الضرورة الثانية: ملكية ذي القربى، نقرأ قوله تعالى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ [الروم: 38]، فلما نزل قوله ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ [الروم: 38] أقطع فاطمة، وليس لديه من هو أقرب من فاطمة، والمصداق الواضح عند جميع المسلمين للقربى هو فاطمة، فالقرآن الكريم يقول: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى [الحشر: 7] ويقول: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى [الأنفال: 41]، إذن عدة آيات تنص على أن ذا القربى له حق في الثروات وفي الأموال، فالمسلمين لهم حق، والفقراء لهم حق، والعاملين لهم حق، إلا ذي القربى ليس لهم حق!

الآيات القرآنية وزعت الأموال ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ [التوبة: 60] كل العنوانين ضمن لها القرآن مصرفاً، كل العناوين في المجتمع الإسلامي ضمن لها القرآن رافداً إلا ذي القربى ليس لهم رافد! إذن كما ضمن القرآن لسائر العنوانين رافد مالي فقد ضمن لذي القربى رافداً مالياً، ﴿وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى [الحشر: 7]، ﴿وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى [الأنفال: 41]، ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ [الروم: 38]، إذن تطبيق الدستور القرآني اقتضى من الرسول أن يعطي فاطمة فهي المصداق الأوضح لذي القربى.

الوجه الثاني: فاطمة هي وجه الإمامة، وبيت فاطمة هو بيت الإمامة، علي والحسن والحسين وذرية الحسين صلوات الله عليهم أجمعين، وبما أن بيتها بيت الإمامة، وبيت الإمامة يشكل بيت القيادة للأمة الإسلامية ومن الواضح أن موقع القيادة له مصارف لأن الناس تلجأ إليه، وتعود إليه وترتبط به، فبما أن بيتها بيت الإمامة، والإمامة هي القيادة، والقيادة لها مصارف كثيرة، فالإمامة تصرف على الفقراء والأيتام والمحتاجين والمعوزين فأعطيت فدك لفاطمة لتكون رافداً لموقع الإمامة حيث أن الإمام المعصوم من خلال هذا الرافد المالي ينفق على الفقراء والمحتاجين والمساكين.

إذن ما كان إعطاء فاطمة تكديساً للثروة في أسرته وبناته، وما كان إعطاء فاطمة تمييزاً لها عن المسلمين، وقد كان إعطاء فاطمة لأن بيتها بيت القيادة، وبيت القيادة له المصاريف الكثيرة التي ترتبط بالمسلمون مع موقع الإمامة، والبعض يقول أن فدك وقف على البيت العلوي؛ أي لم يملكه لشخص فاطمة، ولكن هذا خلاف ظاهر الروايات، فإن ظاهر الروايات يعبر الإمام بقول: أقطع فدكاً؛ أي وهبها لها ملكاً شخصياً.

لذلك مع أن الرسول أعطى فاطمة فدك إلا أن فاطمة كيف عاشت؟ فالإمام علي كان فقيراً وتأتي الزهراء إلى الرسول تخبره بضيق حال علي وأنه لا يمتلك شيئاً، وقد بإمكان الرسول أن يعطيه أراضي وثروات وأموال إلا أن الرسول يقول لها: أما علمت أنه لو لا سيفه لما قام الدين. فتعود إلى أمير المؤمنين وتخبره بما قال أبوها فيبتهج ويتهلل وجهه، فاطمة التي أعطيت فدك كانت تعيش كما نقلنا قبل عدة ليالي ما ذكره أمير المؤمنين عنها قال: ألا أحدثك عن فاطمة؟ قلت بلا. قال: لقد استقت بالقربة حتى أثر في صدرها وطحنت بالرحى حتى مجلت يداها، وكسحت البيت حتى اغبرت ثيابها وأوقدت تحت القدر حتى دكنت ملابسها.

ولأن أهل البيت انصرافهم لله تبارك وتعالى، فكل هذه الثروات تصرف على مصالح المسلمين من قبلهم، وأقدت القدر حتى دكنت ملابسها، فأصابها من ذلك ضر شديد فقلت لها: هلا ذهبت لأبيك وطلبت خادماً، فجاءت إلى أبيها رسول الله وكان عنده حداث؛ أي جماعة يتحدثون معه، فاستحت أن تكلمه ورجعت، إلا أن صار الليل أقبل الرسول إليها، وقال: يا فاطمة جئتني اليوم تريدين شيئاً فماذا كنت تريدين؟ فسكتت، فقال علي: أنا أخبرك يا رسول أن فاطمة كذا وكذا وقد أصابها ضر شديد فجاءتك تطلب خادماً، قال: ألا أعلمكما شيئاً خير لكما من الخادم، قال: إذا قمتما إلى منامكما فكبرا الله أربعا وثلاثين واحمداه ثلاث وثلاثين وسبحاه ثلاثاً وثلاثين. فقالت الزهراء : رضيت عن الله وعن رسوله.

هذه حياة فاطمة، حياتها الزهد والتقشف وارتباط بالله، والانصراف إلى خط سبيل الله تبارك وتعالى، هذه حياة فاطمة وهذه حياة أبناء فاطمة، وكذلك الإمام علي أصبح رئيس الدولة والأموال تصب على يديه، ولكنه كان يلبس الثوب المرقع والنعل المخصف ويقول لابن عباس: ما قيمة هذه النعل؟. قال: لا قيمة لها؟. قال: إنها خير لي من أمرتكم إلا أن أقيم حقاً أو أدفع باطلاً.

الإمام علي رئيس الدولة يقول لو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل، ولباب هذا القمح ونسائج هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي أو يقودني جشعي إلى تخير الأطعمة، والإمام علي أورث سنة حسنة إلى أولاده، يحمل جرب الطعام على ظهره ويدور على الفقراء بنفسه، وهو رئيس الدولة يحمل جراباً مملوء بالخبز واللحم ويدور به على الفقراء بنفسه يأنس بذلك ويبتهج، هذه السنة الحسنة ورثها أبناء علي وفاطمة «عليهما السلام»، فالحسن يدور على الفقراء بنفسه، والحسين يدور على الفقراء بنفسه، لذلك بقي هذا الأثر، أثر جراب الطعام، بقي على ظهر الحسين بن علي، ولذلك يقول المؤرخين عندما سقط جسد الحسين على الأرض بعد قتله، وأمر عمر بن سعد بأن تطأ الخيل صدره، فوطأت الخيل الأعوجية صدره وظهره، فلما انكشف ظهره انكشف الأثر، فقال: يفخر علينا ابن فاطمة بأثر الجراب على ظهره.

في رحاب وريثة الزهراء (ع) العقيلة زينب (ع)
الحوار المفتوح - الجزء الأول