نص الشريط
الإسلاموفوبيا والإعلام المشوّه
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مجلس الغدير - النرويج
التاريخ: 5/1/1444 هـ
مرات العرض: 291
المدة: 00:55:32
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (50) حجم الملف: 15.8 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ [الشورى: 13]

صدق الله العلي العظيم

انطلاقاً من الآية المباركة نتناول محاور ثلاثة:

  • مصطلح الإسلاموفوبيا.
  • أصداء هذا المصطلح في الغرب سلباً وإيجاباً.
  • علاقة الإسلام بالعنف.
 المحور الأول: مصطلح الإسلاموفوبيا.

هناك مصطلح تحدثت عنه كثير من وسائل الإعلام في الغرب وهو الإسلاموفوبيا، بدأ هذا المصطلح منذ عام 1985 هـ  عندما أصدر الفاتيكان بياناً أن عدد المسلمين في العالم يفوق عدد الكاثوليك، بعدها سُلطت الأضواء على الإسلام والمسلمين وبدأ الحديث عن الخوف من الإسلام، والمعجم الفرنسي روبار الصغير طرح مصطلحين يتحدث عنهما الإسلامفوبيا والحجاب، فعرَّف الإسلاموفوبيا بأنه نمط مخصوص من العنصرية الموجهة ضد الإسلام والمسلمين، وبدأت بعض وسائل الإعلام الغربية تتعاطى هذا المصطلح أن هناك خوفاً من الإسلام وحذراً منه، وعبروا عنه بهذا اللفظ الإسلاموفوبيا، وهذه اللفظ وهذا المصطلح يعني أمرين:

  1. الأمر الأول: أن الإسلام لا يملك قيماً مشتركة مع الثقافات الأخرى والديانات الأخرى، فلذلك هو دين لا يقبل الحوار ولا يقبل التنسيق.
  2. الأمر الثاني: أن الإسلام يساوي العنف؛ لأنه يحرض على العنف والعدوان.

إلى أن عقد مؤتمر ستوكهولم عام 2001م، في هذا المؤتمر وهو مؤتمر التسامح ذكر أن كلمة الإسلاموفوبيا شكل من أشكال عدم التسامح مع دين سماوي ألا وهو دين الإسلام.

ما هي منطلقات هذا المصطلح؟

الدكتور الشيباني في كتابة «المسلم في الفكر الغربي المعاصر» يذكر أن هناك عدة منطلقات جاء منها هذا المصطلح:

  • المنطلق الأول: صراع الحضارات الذي طرحه فيليبس بينتيكتون، تبنى نظرية صراع الحضارات خصوصاً مع الحضارة الإسلامية.
  • المنطلق الثاني: الاستشراق، كما طرحه إدوارد سعيد.
  • المنطلق الثالث: الثقافة العنصرية.

تلتقي هذه المنطلقات كلها في أن الدين الإسلامي يحارب مظاهر الحداثة ولا يملك قيماً يعيش بها مع الحضارات الأخرى مؤثراً أو متأثراً، وهذا ما تسبب في آثار وخيمة في بعض الدول الغربية، وتحدثت عنها الباحثة أليزابيث بول حيث قالت هناك آثاراً خطيرة ترتبت على هذه النظرة للإسلام والمسلمين:

  • الأثر الأول: إلغاء إنجازات المسلمين، المسلمون لهم إنجازات سواء كان من المسلمين الأوائل أم الأواخر، لهم إنجازات على مستوى الحضارة الإنسانية كابن رشد، وابن سينا، والفارابي، وملا صدره الشيرازي، ومحمد حسين الطباطبائي، ومحمد باقر الصدر، هؤلاء عباقرة كانت لهم إنجازات على مستوى الحضارة الإنسانية، وما زال المسلمون في دول الغرب يسهمون في بناء الحضارة، فهناك على مستوى الطب والميكانيكا والعلوم الإنسانية المختلفة قد أبدع المسلمون حتى في الغرب بأبحاث علمية قيمة أسهمت في بناء الحضارة الإنسانية، فهذا المصطلح الذي يُحذّر الناس من الإسلام ويخوف الناس من المسلمين يؤدي إلى إلغاء الإنجازات التي يقوم بها المسلمون.
     
  • الأثر الثاني: أن هذه الظاهرة إذا انتشرت في الغرب فإنها ترسخ الكراهية والعداء للإسلام والمسلمين.
     
  • الأثر الثالث: وهو الأثر الأخطر أن هذه الظاهر قد تسبب تداعيات واعتداءات على بعض المسلمين أو اعتداء من بعض المسلمين لغيرهم، لأجل ذلك هذه الظاهرة وهذه النظرة أن الإسلام مصدر خطر وعدوان وعنف كما روجت له بعض وسائل الإعلام الغربية تحتاج إلى المعالجة والنظر.
 المحور الثاني: أصداء هذه الظاهرة في الدول الغربية سلباً وإيجاباً.

لا إشكال أنه حصلت اعتداءات نتيجة هذا التشنج والكراهية من غير المسلمين على المسلمين في بعض الدول الغربية وبالعكس أيضاً، حصل من بعض المسلمين اعتداء على تجمعات وتجمهرات لغير المسلمين، وكله صدى لهذه الظاهرة ظاهرة التشنج والحذر والتوثب من الإسلام والمسلمين، ولكن مع ذلك هنا تعليقتان:

التعليقة الأولى:

وجود فئة شاذة ممن ينتسب إلى الإسلام كالقاعدة أو داعش تتعامل بوحشية وعنف مع بعض أبناء الديانات الأخرى لا يصلح أن يكون مبرراً لنسبة العنف إلى الإسلام نفسه، أو نسبة العدوان إلى الإسلام نفسه، أو اتهام الإسلام نفسه بأنه دين عنف، حيث لا تخلو فئة ولا ملة من وجود فئة شاذة، وهذا لا يعني أن الدين أو الملة تتحمل شذوذ أفعالهم، مثلاً أعلى معدل سرقة في العالم في الدنمارك في لندن، ثم استراليا، ثم كندا، ثم نيوزلندا، ثم إنكلترا، ثم الولايات المتحدة، هل يعني هذا أن هذه الدول المسيحية تحث على السرقة لأن أعلى معدل سرقة يكون فيها!

وأعلى نسبة إدمان الكحول في بيلاروسيا، ثم روسيا، ثم جمهورية التشيك، ثم أوكرانيا، مع أنها كلها مجتمعات مسيحية، فهل يعني هذا أن المسيحية تحرض على الإدمان على الكحول! وأعظم من هذا أعلى معدل جرائم قتل في العالم في أندراوس، ثم فنزويلا، ثم جنوب إفريقيا، ثم جزر البهاما مع أن أغلبها دول مسيحية فهل يعني هذا أن المسيحية تحرض على جرائم القتل!

أخطر العصابات في العالم مافيات تجوب العالم ياكوزا وهو لا ديني، أغبيروس وهو مسيحي، بريمور مسيحي، هل يعني هذا أن المسيحية هي التي تحث على تسليح العصابات والمافيات! وجود فئات شاذة من أي ملة ودين لا يبرر نسبة الوحشية والعدوان للدين نفسه، إذن وجود بعض الفئات كداعش أو القاعدة أساءت بعنفها وعدوانها إلى بعض الديانات الأخرى لا يبرر أن ينسب إلى الإسلام والعنف والعدوان.

التعليقة الثانية:

هذه الظاهرة ظاهرة الخوف والكراهية للإسلام لها آثار سلبية ولها آثار إيجابية، كثير من الباحثين والمنصفين بعدما أثيرت هذه الكلمات حول الإسلام أصدرت واستدعت مجموعة من الأسئلة عنده حول الإسلام فصار يبحث حول الإسلام من مصادره الأصلية، ثم اعتنق الإسلام ودافع عنه، مثل يورام فان كلافيرن، كان نائباً في حزب الحرية في هولندا، وكان يقول أن الإسلام كذبة، والقرآن سم، فأراد أن يكتب كتاباً يسيء فيه إلى الإسلام ولكنه عندما قرأ الإسلام من مصادره الصحيحة اعتنق الإسلام وتراجع عن كل ما ذكر وأبان الصفحة البيضاء النقية للإسلام.

جيف ريلانج دكتور في علم الرياضيات في جامعة فرانسيسكو كان يتحدث عن الإسلام قبل 35 عام أنه دين همجي ومتخلف وغير حضاري، ولكنه الآن قد تغير رأيه صار يتحدث عن الإسلام بكل إيجابية ويظهر ويعلن أنه اعتنق الإسلام ويقول أن أعظم لذة يعيشها عندما يصلي صلاة الفجر بين يدي ربه، إذن كما كانت هناك أصداء سلبية كانت هناك أصداء إيجابية.

 المحور الثالث: علاقة الإسلام بالعنف.

أيان هيرسي علي صومالية هولندية أمريكية مسلمة، ذكرت انتقادات للإسلام ثم إنها كتبت كتاب عام 2015م بعنوان «الزنديق» كتبت فيه لماذا يحتاج الإسلام إلى إصلاح الآن؟ وعام 2020 أقامت مؤتمر وقالت: على الإسلام أن يظهر نفسه كدين سلام حقيقي، وهذه النقطة تجرنا إلى بحث: هل أن الدين يدعو إلى العنف كما تتهمه بعض وسائل الإعلام الغربية أم لا؟

هنا اتجاهان: الاتجاه الحداثي، والاتجاه الديني.

الاتجاه الحداثي يقول: الدين يدعو إلى العنف، وهو المؤجج للصراعات بين أبناء البشر اعتماداً على أصول ثلاثة:

  1. الأصل الأول: أن الدين يعلم معتنقيه ويربيهم على أن الدين حقيقة مطلقة لا تقبل النقاش والحوار والكلام، فإذا آمن المسلم أن دينه ومعتقداته حقيقة مطلقة لا تقبل النقاش قاتل الآخرين وحاول أن يفرض أفكاره على الآخرين لأنه يعتقد أن دينه حقيقة مطلقة اعتماداً على قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: 85] بينما الحداثة تقول أن الحقيقة نسبية وليست مطلقة، كل فكرة تقبل النقاش والنقد ولا توجد حقيقة، يقول الفيلسوف كانت أن أول خطوة في طريق المعرفة نقد المقدسات، أن تنقد المقدسات الدينية.
     
  2. الأصل الثاني: أن الإسلام يرى أن قيمة الإنسان بالدين، الحديث يقول: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، والتصديق بالرسول، به حقنت الدماء وجرت المناكح والمواريث، بينما الحداثة تقول قيمة الإنسان بإنسانيته لا بدينه، إذن اختلفت الحداثة والدين في هذه النظرة.
     
  3. الأصل الثالث: أن دستور المسلمين وهو القرآن يحثهم على العنف ويحرضهم على العدوان، يقول القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ [الأنفال: 65] ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [التوبة: 73]، ويقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [الأنفال: 39] إذن الإسلام يؤجج العنف ويحرض على القتل، هذا هو الاتجاه الحداثي بأصوله.

أما الاتجاه الديني يرى أن هذه تهم للدين ألصقت بالدين، أن الدين يحرض على العنف ويؤجج الصراع والعدوان لعدة ركائز:

الركيزة الأولى: ركيزة الكرامة:

القرآن الكريم وضع ركيزة مهمة وهي الكرامة لكل إنسان، يقول القرآن الكريم: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا [الإسراء: 70] مقتضى إطلاق الآية أن لكل إنسان من بني آدم كرامة تكوينية بالعقل والإرادة والبيان، وكرامة تشريعية أي له حرمة في دمه وفي أمواله وفي شرفه وسمعته، هذه هي الكرامة التي قررها القرآن، القرآن الكريم قرر ركيزة المساواة حيث يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات: 13] التعارف هو مبدأ حوار الحضارات، اليوم يُطرح هذا المبدأ مبدأ حوار الحضارات والقرآن طرحه قبل ألف سنة، التعارف يعني الحوار وتبادل الخبرات والتجارب والطاقات.

إذن الإسلام يكرس مبدأ الكرامة، وورد عن الإمام أمير المؤمنين علي في عهده لمالك الأشتر يقول: ”وأشعر قلبك الرحمة للرعية واللطف بهم ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً فإن الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق“ حتى الفقهاء الذين يتبنون هذه الرواية بتمام مدلولها وهي أن الإسلام به حقنت الدماء، يقولون أن حرمة الإنسان بالعنوان الأولي للإسلام لكن هذا لا يعني أن غير المسلم لا حرمة له، له حرمة بالعنوان الثانوي، بعنوان الحفاظ على المجتمع من الاختلال والفوضى، إذن لكل إنسان حرمة في دمه وفي أمواله وفي سمعته وشرفه.

الركيزة الثانية: ركيزة السلم.

هل الإسلام يدعو إلى القتال أم إلى السلم؟ بعض الباحثين أخذوا بعض الآيات وتركوا البعض الآخر بينما القرآن الكريم يفسر بعضه بعضاً، لا يمكن أن تقتطع من القرآن بعض الآيات وتترك الآيات الأخرى، القرآن كتلة واحدة يفسر بعضه بعضاً، ويقيد بعضه بعضاً، هم أخذوا آية ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ [الأنفال: 65] ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ [التوبة: 73] ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ [الأنفال: 39] واعتبروا أن هذه هي الأصل في الدين بينما لدينا مجموعة من الآيات الكريمة يستفاد منها عدة مبادئ إنسانية قيمة.

المبدأ الأول: أن لا قتال للمسالم، القتال فقط للمعتدي لاحظوا الآية المباركة ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة: 190] وقال في آية أخرى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج: 39] ويقول القرآن الكريم: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنفال: 61] إذن الإسلام يدعو إلى السلم ويرفض القتال إلا إذا كان في حالة الدفاع وقتال المعتدي، ولذلك حتى المسلم إذا هو معتدي يقاتل، والكافر المسالم لا يقاتل، يقول القرآن الكريم: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ [الحجرات: 9]

المبدأ الثاني: القرآن يعلمنا كيف نتعامل مع غير المسلمين، الإسلام مبدأ دين سلام وأخلاق وقيم يقول القرآن الكريم: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة: 8] ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الممتحنة: 9] أمر المسلم أن يعامل غير المسلم بالبر أي الرحمة والإحسان، وبالقسط يعني الإنصاف والعدالة هذه هي قيم المعاملة التي يتميز بها المسلم، ورد عن الرسول محمد : ”المسلم من سلم الناس من لسانه ويده“ إذن النسبة إلى الإسلام أن يحرض على القتال أخذاً ببعض الآيات وإهمالاً للآيات التي تقيدها وتفسرها تهمة خطيرة، حتى في مسألة الجهاد والقتال هناك مدارس ثلاث في الإسلام، أي لابد أن تقرأ الإسلام بمدارسه، ولا تقل عن الإسلام أنه دين يحتكر الحقيقة وينهى عن الحوار ويرفض الحوار والبحث، هذا خطأ فالإسلام فيه مدارس متعددة وقراءات متعددة، هناك من يرى الجهاد الابتلائي وهم مجموعة من الفقهاء، وهناك من يرى أن لا جهاد إلا تحت ولاية الإمام المعصوم، ولأن الجهاد ينحصر بالإمام المعصوم فمسألة الفتوحات الإسلامية ليست لدينا، لدينا أن آخر حكومة إسلامية هي حكومة الإمام علي وما جرى بعدها لم يكن فتوحات وإنما كان غزوات واحتلالات وإذلال لكثير من الشعوب، الفتح ما كان تحت نظر وإشراف وقيادة المعصوم ، حتى مسألة فتح العراق ومصر، العراق فتحت في زمن الخليفة الثاني، ومصر فتحت في زمن الخليفة الثاني، تم فتح العراق ومصر بنظر الإمام أمير المؤمنين علي في زمن الخليفة الثاني لا لأنه يراد غزو البلدين أو احتلالهما وإنما وصل الإسلام للعراق ومصر منذ زمان الرسول وانتشر فيهما طوعاً وقناعة فأقبلت الوفود من العراق ومصر إلى المدينة تطلب من القيادة أن تدخل العراق حتى تنصر المسلمين الذي كانوا يشكلون جمهوراً واسعاً داخل العراق ومصر، لذلك أشار الإمام علي على الخليفة الثاني بدخول العراق ومصر انتصاراً لجمهور المسلمين الذي جاؤوا المدينة لطلب النجدة والنصرة ولم يكن احتلالاً وغزواً.

وأما المدرسة الثالثة تقول لا يوجد جهاد ابتدائي في الإسلام أصلاً، عندما تقرأ كتاب الجهاد في الإسلام للمفكر الكبير الشهيد الشيخ مرتضى المطهري رحمه الله  وهو يتبنى هذه المدرسة  يقول ليس في الإسلام جهاد ابتدائي، كل القتال الذي حصل كان دفاعياً ولم يكن ابتدائياً، حتى الحروب التي خاضها الرسول كانت دفاعاً ولم تكن ابتداء، الرسول الأعظم انتقل إلى المدينة فبنى دولة صغيرة وهي دولة الإسلام بمجرد أن تم بناء الدولة حوصرت من قبل الروم والفرس وعتاة مشركي قريش من كل مكان وبدأت المؤامرات ضد تلك الدولة الصغيرة والدسائس من أجل هدمها وإراقتها، فالرسول الأعظم انطلاقاً من الدفاع عن تلك الدولة الصغيرة خاض مجموعة من الحروب، إذن حروب الرسول كانت دفاعية ولم تكن حروب ابتدائية، فلسفة الجهاد في الإسلام ليس ما يقوم به القاعدة وداعش، فلسفة الجهاد في الإسلام أنه دفاع عن المظلوم وعمن اعتدي عليه، دفاع عن شعوب تبنت عقيدة الإسلام، وليس غزواً ولا احتلالاً ولا اعتداءً.

الركيزة الثالثة:

نعم الإسلام يرى الحقيقة المطلقة، ولكن كل دين يرى الحقيقة المطلقة، كل دين يرى عقيدته حقيقة مطلقة لا تقبل النقد ولا الشك ولا تقبل الريب، وهذا لا يختص بالإسلام وحده، نحن عندما نراجع النصوص الشريفة نرى عدة مبادئ مستفادة من هذا المجال:

المبدأ الأول: الإسلام يرى أن الواقع واحد وليس متعدد، ليس هناك شيء اسمه الحقيقة النسبية، الحقيقة دائماً مطلقة، لأن الواقع واحد إما صادق أو غير صادق، ولا يوجد تعدد في الواقع كي تكون الحقيقة نسبية، وإنما النسبية في الإدراك، مثلاً الله تبارك وتعالى حقيقة لكن كيف يدركه الناس؟ كل ديانة تتصور لله تصوراً وتطرحه على معتنقيها، اختلاف الديانات في تفسير حقيقة الله هذا الاختلاف نسبي لأنه اختلاف في الإدراك، أما الحقيقة نفسها الحقيقة الإلهية فهي حقيقة مطلقة ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ [البقرة: 255]

المبدأ الثاني: عندما يعتقد المسلمون أن لديهم الحقيقة المطلقة لا يعني هذا أنهم يسلبون حرمة الآخرين، صحيح لدينا حقيقة مطلقة نعتقد أن ديننا وعقيدتنا حقيقة مطلقة ولكن هذا لا يبرر لنا سلب حرمة الآخرين والاعتداء عليهم، هذا هو المنطق القرآني: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ «1» لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ «2» وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ «3» وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ «4» وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ «5» لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ «6» [الكافرون: 1 - 6] أنا أرى ديني عقيدة وحقيقة مطلقة ولكن هذا ليس مبرر لي لسلب حرمة الآخر والاعتداء عليهم لأنني أرى الحقيقة المطلقة.

الركيزة الرابعة: قيمة كل إنسان بعمله.

لاحظوا القرآن الكريم عندما يقول: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى «39» وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى «40» [النجم: 39 - 40] قيمة الإنسان بعمله هل يعني أن الكافر الذي يعمل أعمال صالحة ويبني مستشفيات وملاجئ ودور للأيتام هل عمله مقبول وإن لم يكن مسلماً؟ القرآن الكريم يقول: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [الملك: 2] ويقول القرآن الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [الكهف: 30] العمل الحسن ما جمع حسنيين: الحسن الفعلي والحسن الفاعلي، الحسن الفعلي أي أثر العمل، بنى مستشفى، طبب كثير من المرضى، والحسن الفاعلي هو النية وراء العمل، ماذا كان قصده من العمل، فإذا كان قصده من العمل الشهرة أو الرياء أو أن يثبت الأنا فلا قيمة لعمله، أما إذا كان قصده من العمل الخدمة الإنسانية والتعالي على الذات فعمله ذو قيمة واقعية وإن لم يكن مسلماً، وهناك فرق بين القيمة الواقعية وبين الثواب، قد لا يعطى ثواب في الآخرة لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة: 27] لكن عمله ذو قيمة واقعية يجازيه الله عليه حتى في الدنيا ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ [الزلزلة: 7] كل عمل خير يجازى عليه ولو كان العامل غير مسلم وإن لم يستحق عليه ثواباً في الآخرة لكنه ذو قيمة واقعية يجازى على طبق عمله، وهذا ما تؤكده النصوص، ورد عن الإمام علي : ”قيمة كل امرئ ما يحسنه“ قيمة الإنسان ليس بنسبه ولا بشكله ولا بقبيلته ولا ببلده، قيمته بعطائه وإنجازه.

الرسول محمد الذي ضرب المثل الأعلى في الرحمة والخلق قيمته بتلك الملكات القدسية التي حباها الله إياها وعبر عنها القرآن الكريم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء: 107]، الإمام أمير المؤمنين أصبح رمزاً للعدالة والحق والإنصاف ”والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نمله أسلبها جلب شعيرة ما فعلت، والله لو كان المال لي لساويت بينهم فكيف والمال مال الله“

وهذه العظمة المحمدية العلوية تجلت في الحسن والحسين «عليهما السلام»، والتاريخ يشهد بإنجازاتهم للحضارة الإنسانية والإسلامية.

وممن استقى من نمير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب شهيد الكوفة مسلم بن عقيل، هذا البطل العظيم الذين أبدى شجاعة وبسالة في الكوفة، وحقق أروع المثل في القيم، فما ارتكب غدراً وإن غدر به.

كيف نسيطر على ظاهرة القلق والكآبة في نفوسنا؟
أسلوب الحياة بين الرؤية الدينية والرؤية الغربية