نص الشريط
ولله العزّة ولرسوله وللمؤمنين
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مجلس الغدير - النرويج
التاريخ: 10/1/1444 هـ
مرات العرض: 476
المدة: 00:50:21
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (66) حجم الملف: 14.4 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ [الأنبياء: 73]

صدق الله العلي العظيم

انطلاقاً من الآية المباركة نتناول محورين:

  • في مقامات الإمامة.
  • في دور المؤمنين تجاه مقام الإمامة.
المحور الأول: في مقامات الإمامة.

إن أبرز مقامات الإمامة ثلاثة: العلم اللدني، والهداية الأمرية، والولاية.

المقام الأول: العلم اللدني.

هناك نوعان من العلم للإمام: علم اكتسابي وعلم لدني.

العلم الاكتسابي هو الذي يستقيه الإمام من الإمام السابق، والعلم اللدني هو العلم الذي يلهمه الله قلب الإمام ويقذف نوره فيه، وقد أشار الإمام علي إلى هذين النوعين من العلم، فقال: ”علمني رسول الله ألف باب من العلم يفتح لي من كل باب ألف باب“ «علمني» هو العلم الاكتسابي، و«يفتح لي» هو العلم اللدني الإلهامي.

العلم اللدني هو العلم بمقام الأسماء، عندما نقرأ قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة: 31] ليس المقصود بالأسماء هو الألفاظ والكلمات، الأسماء هي حقائق وجودية خارجية، عندما تقرأ دعاء كميل تقول: «اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء، وبقوتك التي قهرت بها كل شيء.... وبأسمائك التي ملئت أركان كل شيء» أسماؤه تعالى رحيم، رازق، خالق، محيي، مميت..... ولا يوجد شيء في عالم الكون إلا وقد انطبقت عليه كل أسماء الله، كل شيء في عالم الوجود فيه رحمة وخلق ورزق وله إحياء وله إماته، كل موجود في عالم الوجود يختصر أسماء الله تبارك وتعالى كلها، فأسماؤه ملئت أركان كل شيء، لكن هذه الأسماء لها ظاهر ولها باطن، ونحن نرى الظاهر من أسمائه، نرى الكون والشمس والمجموعات الشمسية وما على الأرض فنستدل بهذه الموجودات على الله كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت: 53] ولكن الإمام المعصوم يرى الباطن، باطن الحقائق، حقائق الأسماء، نحن نرى ظاهر الرحمة، وهو يرى باطن الرحمة، نحن نرى ظاهر الإحياء والإماتة والخلق وهو يرى بواطن الأسماء، ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا أي علمه حقائق أسماء الله وبواطنها، وهذا العلم هو العلم اللدني الذي للنبي محمد كما في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ [النساء: 113] وهو العلم اللدني لكل إمام معصوم، العلم ببواطن وحقائق أسماء الله تبارك وتعالى.

المقام الثاني: مقام الهداية الأمرية.

الهداية نوعان: هداية خلقية، وهداية أمرية.

الهداية الخلقية هي خطاب من الفم إلى السمع، والهداية الأمرية هي خطاب من القلب إلى القلب، مثلاً الخطيب العالم عندما يصعد المنبر ويطرح معلومات دينية فهذه هداية خلقية لأنها خطاب إلى السمع، وهذه الخطابات تصل إلى سمع المستمع.

وأما الهداية الأمرية هي خطاب من القلب إلى القلب، مثلاً الأم عندما تضم ولدها إلى صدرها تبعث رسالة من قلبها إلى قلب ولدها، هذه الرسالة ليس بكلام ولا ألفاظ وليست عبر آذان بل هي رسالة من القلب إلى القلب، هذه الرسالة تسمى أمرية، فالوجود الأمري هو الذي ينتقل من القلب إلى القلب مقابل الوجود الخلقي الذي ينتقل من الفم إلى السمع.

الإمام المعصوم يمارس هداية أمرية عندما يقول القرآن: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا [الأنبياء: 73] أي ما يقومون به هو هداية أمرية تنبعث من قلب المعصوم إلى قلب الإنسان الآخر بدون كلام ولا حديث، تماماً معاكس لدور الشيطان الذي يقوم بإضلال أمري، الشيطان لا يتكلم معك بألفاظ ولا يصل صوته إلى سمعك، بل يتحدث مع قلبك مباشرة، فالشيطان له القدرة على الخطاب مع القلب، ولذلك يقول القرآن الكريم: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ «1» مَلِكِ النَّاسِ «2» إِلَهِ النَّاسِ «3» مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ «4» الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ «5» [الناس: 1 - 5] أي يتحدث الشيطان مع القلب وليس مع السمع، كما أن للشيطان دوراً وهو قدرة الحديث مع القلب والوسوسة.. انقطاع في الصوت

وهذا هو معنى ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ [الأنبياء: 73]

هل يستطيع الإمام المعصوم أن يتصرف في أنفسنا وأن يخاطب قلوبنا من دون كلام وسمع، وأن يهب ويغرس في قلوبنا نور الهداية؟

نعم المعصوم له قدرة على ذلك، ورد في زيارة الجامعة الواردة عن الإمام الهادي : «أنفسكم في النفوس، أرواحكم في الأرواح، أسماؤكم في الأسماء، قبوركم في القبور» أنفسكم في النفوس أي لأنفسكم تأثير على النفوس، ولأرواحكم تأثير على الأرواح، ولأثاركم تأثير على الأثار، ولقبوركم تأثير على القبور، ولذلك يستحب الدفن إلى جانب قبور المعصومين لأن لقبورهم أثراً على القبور كما لأرواحهم أثر على الأرواح ولأنفسهم أثر على النفوس.

المقام الثالث: مقام الولاية.

الولاية نوعان: ولاية الأمر والنهي، وولاية الأنفس.

ولاية الأمر والنهي أي أن الإمام إذا صدر منه الأمر والنهي وجبت إطاعته كما في قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: 59] لكن ولاية الأنفس أعمق، نفس الإمام أولى منك بنفسك، وهذا ما صرح به القرآن حيث يقول: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب: 6] أي لو حصل تزاحم بين نفس النبي ونفسي فبالطبع نفس النبي تقدم، فالنبي أولى بك من نفسك، لو توقف إنقاذ النبي على موتك تقدم حياة النبي على حياتك، النبي أولى من كل إنسان بنفسه، هذه تسمى ولاية الأولوية، وهذه الولاية كما ثبتت للنبي ثبتت للمعصوم، حيث قال يوم الغدير: ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى يا رسول. قال: فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والي من والاه وعادي من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله وأدر الحق معه حيثما دار.

ولأجل ذلك أنصار الحسين فهموا هذا المعنى أن الحسين أولى بهم من أنفسهم فبادروا لنصرة الحسين امتثالاً للآية المباركة، واطلعهم الحسين على منازلهم في الجنان لأن الإمام المعصوم تنكشف له حقائق الأشياء كما ذكرنا في المقام الأول ويدرك بواطن حقائق الأشياء لأجل ذلك ينكشف له عالم الملكوت وعالم الجنان، فأوصاهم وأراهم منازلهم في الجنان وهم كانوا مؤهلين لذلك، ولو لا أنهم مؤهلين لما رأوا هذه المنازل، لأنهم بلغوا الدرجة النورانية.

الناس نوعان: ناريون، ونوريون، هناك صنف من الناس هم قطعة من النار والقرآن الكريم يقول: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ [التحريم: 6] أي أن مجموعة من الناس هم يشكلون وقود النار، والنار لا تستعر إلا بهم، فهم قطعة من النار، هم الناريون، وهم المحترفون للجريمة والظلم والاعتداء.

وهناك صنف من الناس نورانيون، قطعة من النور لأنهم قطعة من الإيمان والطهارة والخلق العالي، يقول القرآن عنهم في يوم القيامة: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا [التحريم: 8] أي أنهم كانوا في الدنيا نور وفي الآخرة يتمم الله لهم هذا النور، والقرآن الكريم يقول: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [إبراهيم: 1] هكذا كان أصحاب الحسين أناس نوارنيين، ولأجل نورهم أطلعهم الحسين على منازلهم في الجنان.

 المحور الثاني: في دور المؤمنين تجاه مقام الإمامة.

هنا يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا [الإسراء: 34] والعهد هو عهد الإمامة، ورد عن سماعة بن مهران عن الإمام الصادق، وداوود النجار عن الإمام الكاظم قالوا: العهد الذي وجب الوفاء به على الأمة هو عهد الإمامة.

ويقول القرآن الكريم: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة: 124] الإمامة عهد عهده الله لأمة النبي محمد ، وعلى الأمة الوفاء بالعهد.

وعلى المؤمنين تجاه مقام الإمامة عدة أدوار:

الدور الأول: تجديد البيعة للإمام.

الاحتفال بيوم الغدير هو تجديد للبيعة للإمام أمير المؤمنين، من يحضر يوم الغدير يصور نفسه كأنه حضر وادي الغدير وهو في مقام البيعة للإمام أمير المؤمنين، الاحتفال بعاشوراء ليس حزناً فقط وإنما هو تجديد للبيعة للإمام الحسين على السير على طريقه، طريق العدالة وإحقاق الحق، ولذلك تقرأ في زيارة عاشوراء: «أنا سلم لمن سالمكم وحرب لمن حاربكم» أي أنا أبايعكم على أن أكون معكم على هذا الطريق سلم لم سالمكم وحرب لمن حاربكم.

الدور الثاني: عقد العزم على إطاعة الإمام المعصوم.

كثير من الناس لابأس لديه بأن يذنب كل يوم من الذنوب والمعاصي ويتأمل في الآخرة أن يحصل على شفاعة أهل البيت ، شفاعة أهل البيت مقام عظيم ولكن القرآن الكريم يقول: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء: 28] يقول السيد محسن الحكيم قدس سره: يخشى على من يسرف في المعاصي أن يموت على غير الولاية. عدم المبالاة بالذنوب والمعاصي قد يؤدي لسوء الخاتمة والموت على غير الولاية، ممكن الإنسان يذنب لأنه ليس معصوماً ولكن فرق في الذنب، هناك إنسان يذنب ويصر على الذنب ولا يبالي به، وهناك إنسان يذنب لكنه إذا أذنب ندم وتحسر وتأذى قلبه، الندم بعد الذنب يكشف عن الإيمان والطهارة، كما ورد عن الرسول : ”كفا بالندم توبة“.

وورد عن الرسول قال: ”المؤمن إذا أذنب كان ذنبه كصخرة على صدره، والمنافق إذا أذنب كان ذنبه كذبابة مرت على أنفه“.

فإذا كان الإنسان يذنب فيندم فهذا يرجى له حسن الخاتمة وشفاعة أهل البيت، أما إذا كان لا يبالي بشرع ولا دين ولا ذنب فيخشى عليه بسوء الخاتمة، فلابد من عقد العزم على إتباع خط أهل البيت، خط التقوى واجتناب المعاصي والالتزام بالواجبات، ورد عن الإمام أمير المؤمنين : ”شيعتنا من اتقى“.

ويقول الإمام الصادق : ”من صدق في حديثه وورع في دينه، وأدى الأمانة وحسن خلقه مع الناس قيل هذا جعفري، وقيل هذا أدب جعفر“ الإمام جعفر أدب أصحابه على أن يكون لهم خلق رفيع في التعامل مع الآخرين يحترمون جميع الناس بشتى أديانهم وألوانهم ويعاملونهم المعاملة الحسنة، هذا هو التشيع وهذا هو المصداق للشيعي السائر على خطى أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

الدور الثالث: إحياء ذكرى أهل البيت .

ورد عن الإمام الصادق : ”شيعتنا منا خلقوا من فاضل طينتنا يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا“ الاحتفال بذكرى عاشوراء معلم حضاري في أوروبا والولايات المتحدة، عندما يحتفل المسلمون بذكرى عاشوراء في مختلف الأنحاء فهذا معلم حضاري عظيم لأن هذا الاحتفال اعتزاز برمز للإنسانية ألا وهو الحسين بن علي، الحسين بن علي ليس رمزاً للمسلمين فقط، ولا للشيعة فقط، الحسين رمز للإنسانية لأن الحسين رمز للعدالة ولإحقاق الحق والمطالبة بطريق الإصلاح، الاحتفال بعاشوراء هو احتفال بالعدالة وإحقاق الحق وبالمشروع الإصلاحي الذي قاده الإمام الحسين ، ولذلك ينبغي في احتفالاتنا أن ندعو غير المسلمين ومختلف الأشخاص لأن هذه الاحتفالات هي مظهر للاعتزاز بالقيم الإنسانية العليا التي جسدها الحسين وأهل بيته على أرض كربلاء يوم عاشوراء.

الدور الرابع: زيارة قبر الحسين .

حث عليها الأئمة الطاهرون وقال الإمام الرضا: ”من زار قبر الحسين عارفاً بحقه غفر الله ذنوبه ما تقدم منها وما تأخر“ زيارة قبر الحسين إحياء لصوت الحسين، إحياء لنور الحسين، وإحياء لذكرى الحسين، ولذلك أصر عليها أهل بيت النبوة صلوات الله عليهم أجمعين، زر الحسين ولو عن بعد تنل الأجر العظيم، زيارة الحسين هي المظهر لإحياء أمر أهل البيت .

شخصية الأبناء بين الوراثة والتربية الصالحة
الحضارة الغربية أم الحضارة المهدوية