نص الشريط
الحياة والموت زوجان في عالم الوجود
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 2/1/1446 هـ
مرات العرض: 238
المدة: 00:52:33
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (66) حجم الملف: 18.0 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [الملك: 2]

صدق الله العلي العظيم

حديثنا هذه الليلة حول الحياة، وذلك في عدة محاور:

  • ما هو تعريف الحياة؟ وهل الأصل الحياة أم المادة؟
  • كيف نوفق بين أصالة الحياة وبين القانون أن الطاقة لا تفنى ولا تستحدث.
  • ما هي الرؤية القرآنية للحياة؟
المحور الأول: ما هو تعريف الحياة؟ وهل الأصل الحياة أم المادة؟

حدد علماء الأحياء الحياة بعدة سمات:

  1. السمة الأولى: الانتظام، الكائن الحي كالإنسان والحيوان يمتلكان أجهزة متناسقة ومتفاعلة، ومعنى أنه يمتلك أجهزة متناسقة ومتفاعلة أن هناك نظام لأجزائه، لاحظوا جسم الإنسان مثلاً، الخلايا كونت الأنسجة، والأنسجة تعاونت وكونت الأعضاء، والأعضاء تعمل لتكون أجهزة جسم الإنسان، إذن هناك أجزاء تتفاعل وتتناسق في نظام معين حتى تشكل جسم الإنسان، لهذا نقول إن للإنسان حياة؛ لأنه يمتلك أجزاء تتفاعل وتتعاون لتكون هذا البناء، وهذا الجسم.
     
  2. السمة الثانية: التمثيل الغذائي، لا يوجد حي لا يتغذى، الحياة تعني الغذاء، الكائن الحي يعيش على التمثيل الغذائي، يستخدم الطاقة، يستهلك عناصر الغذاء هدماً وبناء، إذن الحياة تعني التغذية.
     
  3. السمة الثالثة: الاستتباب، كل كائن حي يتكيف مع المحيط الذي هو فيه، ويكتسب المناعة أمام المحيط، ومعنى هذا أن الكائن الحي يملك القدرة على استقرار البيئة الداخلية وإن تغيرت الفئة الخارجية، مثلاً جسم الإنسان يمتلك القدرة على أن يحتفظ بدرجة الحرارة 37 درجة مئوية، يحافظ عليها الجسم في الأجواء الحارة، وحتى في الأجواء الباردة، الجسم يقتدر على أن يحافظ على استقرار بيئته مهما تغيرت الأجواء، وهذه السمة يعبر عنها بالاستتباب.
     
  4.  السمة الرابعة: النمو، الحياة تعني النمو، أنت كنت خلية واحدة، والآن أنت تمتلك المئات من الخلايا التي تموت وتحيا، أي أنت في حالة نمو دائم.
     
  5.  السمة الخامسة: التكاثر، سواء عن طريق التوالد أو عن طريق التناسل.
     
  6. السمة السادسة: التطور، كل تركيبة جينية يمكن أن تتغير بمرور الوقت، ويمكن أن تتطور لذلك وكالة ناسا عندما عرَّفت الحياة قالت: الحياة نظام قائم بذاته، قادر على التطور الجيني، يمكن لهذه المجموعة وهذه التركيبة الجينية أن تتطور بمرور الوقت.

إذن هذه السمات هي مظاهر وعلامات الحياة، الحياة تعني النمو، التكاثر، التغذية، المناعة، والتطور.

هنا يأتي السؤال: ما هو الأصل في هذا العالم الذي نعيش فيه، هل الأصل هو المادة أم الحياة؟ جسمنا مادة، المكان مادة، كل ما نتعامل به مادة، فما هو الأصل في هذا الوجود؟ الحياة أم المادة؟

الجواب على ذلك: الحياة أسبق من المادة، الحياة أعمق من المادة، الحياة تكمن وراء المادة، وحتى أبرهن على ذلك وأوضح هناك شاهدان على أن الحياة أوسع وأعمق من المادة التي نتعامل بها:

الشاهد الأول:

كل مادة تمتلك أبعاد أربعة: طول، عرض، عمق، وزمن. لكن هذه المادة إذا تحركت اكتسبت بعداً خامساً اسمه الحياة، الحياة بعدٌ خامسٌ تكتسبه المادة من خلال حركتها، مثلاً بذرة شجرة التفاح، هذه البذرة عندما نضعها في التربة ونوفر لها السماد، ونسقيها بالماء تبدأ البذرة بالتحرك، حركة البذرة تُكسبها الحياة، لولا الحركة لما أصبحت البذرة حية، ولما تحولت إلى شجرة، ولما نمت وتكاثرت، إذن البذرة مادة ولكنها عبر الحركة اكتسبت الحياة، فإذن الحياة كمال لحركة المادة.

نفس الأمر في الإنسان، جاء الإنسان من نطفة إذا تمنى، هذه النطفة بمجرد أن تتلقح مع بويضة الأنثى وتلتصق بجدار الرحم تبدأ النطفة بالتحرك، فإذا تحركت اكتسبت الحياة، القرآن الكريم يقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ «12» ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ «13» ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ «14» [المؤمنون: 12 - 14]

هذه الحركة من نطفة إلى خلق آخر هي نمو جاء عبر الحركة، إذن المادة تكتسب الحياة إذا تحركت، المادة تتحول إلى حياة إذا تحركت، هذا يعني أن الحياة هي الأصل، هي الطاقة المبثوثة في الكون، وإذا أرادت المادة أن تكتسب الحياة عليها أن تتحرك، فتكتسب هذا البعد الخامس المسمى ببعد الحياة.

الشاهد الثاني:

من أروع وأجلى صور الحياة التفكير، الحيوان يمتلك حياة، ولكن لا يمتلك حياة التفكير، لا يمتلك حياة النطق. النبات يمتلك حياة، ولكن لا يمتلك حياة اللغة، والتفكير، إذن أعلى درجات الحياة هو التفكير.

التفكير أوسع من عالم المادة، المدرسة الوظيفية في علم النفس  وهي إحدى مدارس علم النفس  تقول: الكائن الحي يتكيف مع المحيط عضوياً وفكرياً، ولكن العقل يتجاوز محيطه، يتجاوز زمانه، يتجاوز ما هو فيه، العقل يستطيع أن يتجاوز عالم المادة، يستطيع أن يتخطى عالم المادة بآلاف السنين، لأنه يمتلك قدرة على الإبداع، يمتلك قدرة على التأمل، يمتلك قدرة على التفكير، مثلاً أفلاطون سبق زمانه، أرسطو سبق زمانه، النبي محمد والإمام أمير المؤمنين علومهما ملهمة من السماء، ولكن لو اعتبرناهما كالبشر فإنهم سبقوا أزمنتهم، لأن العقل قادر على أن يتخطى الزمان ويتجاوز المادة بتأملاته وتحليلاته واستنتاجاته، إذن الحياة ليست سجينة في عالم المادة، الحياة ليست ظاهرة فيزيائية تعيش في المادة، ليست تفاعلات كيميائية في صميم المادة، الحياة أعمق من ذلك وأوسع، تتجاوز المادة والزمن، والعالم كله تعبره مما يدل على أن الحياة أعمق وأوسع مما نشهده من عالم المادة.

لاحظوا حتى حركة الجزيء تحت الذري حول النواة، هذه الحركة التي بالمجهر لا نراها مع ذلك تكشف عن حركة الحياة، حركة الجزيء تحت الذري حركة ظاهرية تنبئ عن حركة جوهرية أعمق من هذه الحركة الظاهرية، تلك الحركة الجوهرية هي حركة الحياة، هي المسماة بالحياة ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [الملك: 2]

المحور الثاني: كيف نوفق بين أصالة الحياة وبين القانون أن الطاقة لا تفنى ولا تستحدث.

هل الحياة التي هي أوسع وأعمق وأكبر من عالمنا وعالم المادة الذي نعيش فيه جاءت هكذا صدفة؟ هل الحياة وجدت بلا سبب؟

القرآن الكريم يقول: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور: 35] الحياة لها مبدأ، الحياة لها مصدر، لم تأتِ الحياة صدفة، لم تأتِ الحياة بلا بسبب، مبدأ الحياة هو الحي ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة: 255]

جاءت الحياة من خلال مبدأ، من خلال مصدر، ذلك المصدر هو الحياة الأزلية المعبر عنها «الله» «قدرة وعلم وحياة» من تلك الحياة التي لا حدود لها جاءت هذه الحياة التي نعيشها ونتنفسها ونتفيء ظلالها.

هناك قانون نيوتني فيزيائي يقول أن الطاقة لا تفنى ولا تستحدث، فكيف نوفق بين أصالة الحياة وبين هذا القانون؟

إذا كان تعريف الطاقة أنها القدرة على بذل الشغل، أي أن الطاقة تنتقل من جسيم إلى جسيم، من نظام إلى نظام، أنت تأخذ الماء وتجعله على النار ينتقل مقدار من الطاقة الحرارية من النار إلى الماء، هذا الانتقال من جسيم إلى جسيم، ومن نظام إلى نظام يسمى شغل، فإذن القدرة على الشغل والتي تعني القدرة على الانتقال من جسيم إلى جسيم يسمى طاقة.

الطاقة قد تكون كامنة، وقد تكون حركية، والطاقة الحركية قد تكون ميكانيكية، قد تكون كيميائية، قد تكون حرارية، المهم أن الطاقة بما أنها تعني الحركة إذن الحياة نوع من الطاقة، وبما أن الحياة نوع من الطاقة، هنا يأتي السؤال: القانون الفيزيائي يقول أن الطاقة لا تفنى ولا تستحدث أي أن الحياة لا تفنى ولا تستحدث لأن الحياة نوع من الطاقة، وهذا يعني أن الحياة أبدية أزلية، ليس لها مبدأ ولا تحتاج إلى خالق، لأنه الحياة طاقة والطاقة لا تفنى، إذن لن تموت الحياة، ولا تستحدث إذن لا تحتاج إلى خالق، كيف نوفق بين أن الحياة جاءت وليدة من الحي القيوم، وبين هذا القانون الفيزيائي الذي يقول لنا أن الطاقة لا تفنى ولا تستحدث، والحياة نوع من الطاقة؟

الجواب عن السؤال: هذا الفهم للقانون الفيزيائي فهم خاطئ، من يفهم أن الطاقة أبدية أزلية فإن فهمه خاطئ، ولابد من بيان معنى هذا القانون، هذا العالم الذي نعيش فيه منذ الانفجار العظيم قبل ثلاثة عشر مليار سنة بدأ بمتفردة، وفي داخل هذه المتفردة التي هي في نهاية الصغر طاقة مهولة مخزونة، انفجرت تلك المتفردة وتشكل هذا الكون، تلك الطاقة التي كانت مخزونة ثم انفجرت هي نسبة واحدة لا تقل ولا تزيد، منذ ثلاثة عشر مليار سنة الطاقة هي نفس النسبة لا تزيد ولا تنقص، نعم تتحول من صورة إلى صورة، ومن شكل إلى شكل ولكنها بنسبة واحدة، ومعنى أن الطاقة لا تفنى ولا تستحدث يعني أن الطاقة التي أودعها الله في هذا الكون أودعها بنسبة واحدة، لا تزيد ولا تنقص، فقط تتحول من صورة إلى صورة، مثلاً نحن أيام الشتاء في الجو البارد نحك اليد بالأخرى، حك اليد بالأخرى يعني أن الطاقة الميكانيكية الموجودة تتحول إلى طاقة حرارية عبر عملية الحك، انتقلت الطاقة من صورة إلى صورة أخرى، لكن النسبة واحدة.

الفحم الذي نستخدمه أيام الشتاء هو طاقة كيميائية، وبمجرد أن يتعرض إلى النار يتحول إلى طاقة حرارية، الطاقة انتقلت من صورة إلى صورة والنسبة واحدة، إذن القانون الذي يقول أن الطاقة لا تفنى ولا تستحدث لا يقول بأن الطاقة أبدية أزلية، وليس لها مصدر، بل يريد أن يقول أن الطاقة الموجودة في عالمنا وهي عالم المادة هي بنسبة واحدة لا تقل ولا تزيد، وليس معناها أن الطاقة لا مبدأ لها وأنها أبدية خالدة ولا يمكن لها الفناء.

المحور الثالث: ما هي الرؤية القرآنية للحياة؟

هنا ثلاثة أمور يذكرها القرآن الكريم في إطار الحياة:

الأمر الأول:

ما هو الدليل على أن الحياة جاءت من مبدأ وهو الله تبارك وتعالى؟ في الحياة ألوان وأشكال، حيوانات، نباتات، إنسان، طاقات متفجرة ومتلونة، ما هو الدليل على أن هذه الحياة جاءت من مبدأ هو الحي القيوم تبارك وتعالى؟

القرآن يطرح دليلين:

الدليل الأول:

الحياة تأتي عبر تناسل وتوالد، التفاحة تنتج البذرة، والبذرة تولد تفاحة مرة أخرى، الإنسان يولد إنسان... وهكذا، ولكن لنرجع إلى أول خلية حية وُجدت في هذا الكون من أين أتت؟ هل جاءت صدفة ومن غير سبب؟

أول خلية حية احتاجت إلى مصدر يبثها ويوجدها، ويكون ذلك المصدر حي أيضاً ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة: 255] لأن فاقد الشيء لا يعطيه، لابد أن يكون مبدأ الحياة حي، مبدأ الحياة حياة لا حدود لها، يقول القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج: 73] يستحيل أن يستطيع الإنسان أن يصنع الحياة، وفي القرآن ذكر الذباب مثال للكائن الحي، لا يستطيع الإنسان أن يصنع ذبابة، وإذا سلبتك الذبابة شيئاً لا تستطيع أن تستنقذه أو تسترجعه ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج: 74]

لا يستطيع الإنسان أن يخلق ذبابة والقرآن يتحداه إلى يوم القيامة، لا يمكن للإنسان أن يصنع الحياة، وأول خلية حية جاءت من الحي القيوم، قد يستشكل أحدهم على ذلك ويقول العلم يتطور ويمكن للعلم بعد مئة سنة أو ألف سنة أن يصنع الخلية الحية لأن العلم في حالة نمو وتطور، نقول: مهما تطور العلم يستطيع أن يوفر ظروف الحياة لا أن يصنع الحياة، وفرق بين الاثنين، مثلاً الذكر والأنثى إذا التقيا ونبعت الحياة في رحم الأنثى، فهل الذي صنع الحياة هو الذكر؟ أم أن هل صنع الحياة هي الأنثى؟ أبداً، الذكر والأنثى لم يصنعا حياة وإنما وفرا الظروف، ولأجل وفرة الظروف جاءت الحياة، الذكر والأنثى بلقائهما أعدا الظروف الملائمة لولادة الحياة ولنبعها، إذن الحياة لا يصنعها الإنسان، الإنسان فقط يهيئ الظروف فتأتي الحياة.

القرآن الكريم يركز على هذه النقطة وهي أن الإنسان لا يستطيع أن يصنع الحياة، حيث يقول: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ «58» أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ «59» [الواقعة: 58 - 60]

﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ «63» أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ «64» [الواقعة: 63 - 64]

﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ «68» أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ «69» [الواقعة: 68 - 69]

يريد أن يقول بأن الحياة بكل مظاهرها وألوانها نحن مصدرها، لأن الحياة تحتاج إلى حي يمدها ويبعثها، فهذه المظاهر الحية مصدرها الحي القيوم جل وعلا.

الدليل الثاني:

يبين القرآن الكريم أن الإنسان ليس فقط عاجزاً عن إيجاد الحياة بل يعجز حتى عن استمرار الحياة، كما يعجز عن صنع الحياة يعجز أيضاً عن إبقاء الحياة، لا صُنع الحياة ولا بقائها بيد الإنسان، صنعها واستمرارها وتلونها كله يرجع إلى مصدر الحياة الأول ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [المائدة: 64]

قالوا بأن الله صنع الحياة ومن ثم استمرت الحياة لوحدها ولا تحتاج إلى الله، ولكن الله هو مصدر الاستمرار وهو مصدر البقاء، ولا تستغني عنه الحياة بل يداه مبسوطتان، وقال تبارك وتعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة: 28] في كل لحظة أنتم مرتبطون بالله.

والآية التي افتتحنا بها الحديث ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [الملك: 2] ما معنى خلق الموت والحياة؟ الحياة فهمناها، ولكن كيف خلق الموت وهو عدم وفناء؟ هنا تفسيران للآية المباركة:

التفسير الأول: الموت ليس فناء، الموت وجود، الموت هو عبارة عن سفر وانتقال من عالم إلى عالم آخر.

خلق  الناس للبقاء iiفضلت

إنما ينقلون من دار أعمال

 
أمة    يحسبونهم    للنفاد

إلى  دار  شقوة  أو  iiرشاد

الموت ليس فناء بل هو حركة وسفر وانتقال، كما خلق الحياة خلق السفر، خلق الحركة من عالم إلى عالم آخر.

التفسير الثاني: خلقً الموت والحياة أي أنه خلق تزاوجاً بين الموت والحياة، الموت والحياة زوجان في هذا العالم لا ينفصلان أبداً، كل لحظة فيها حياة فيها موت أيضاً، الجسم الذي نعيشه في كل لحظة يموت ويحيا، تموت ملايين الخلايا وتحيا ملايين الخلايا في إطار هذا الجسم، أنت تعيش دائماً بين موت وحياة، خلق الموت والحياة أي خلق تزاوج وتقارن بين الموت والحياة في كل لحظة.

الأمر الثاني: الحياة قسمان: حياة ملكية، وحياة ملكوتية.

الحياة الملكية هي هذه الحياة القصيرة الفانية التي نعيشها، والتي يعبر عنها القرآن الكريم بقوله ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الملك: 1] ولكن هناك حياة ملكوتية والقرآن الكريم يعبر عنها ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [يس: 83]

عندما نقرأ قوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [الإسراء: 44] كل شيء يسبح، إذن كل شيء له لغة، إذن كل شيء له حياة، التسبيح فرع اللغة، اللغة فرع الحياة، التسبيح فرع الوعي، الوعي فرع الحياة، إذا كان كل شيء يسبح إذن لكل شيء حياة، لكن ليست حياة ملكية وإنما حياة ملكوتية، حياة غيبية، حياة لا نراها ولا نبصرها ولكنها موجودة، تلك هي الحياة الملكوتية.

نحن كلنا كنا قبل هذا العالم أحياء، كنا أحياء ثم جئنا إلى هذا العالم، كنا في عالم قبل هذا العالم، ذلك العالم الذي كنا فيه كان أيضاً عالم حياة، لاحظ القرآن الكريم عندما يقول: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام: 94]

الإنسان عندما يموت يذهب إلى الله فرادى، لا أب لا أم لا أهل لا زوجة لا أولاد، يذهب بمفرده، هو وقطعة كفنه، ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ معناها أن الإنسان خُلق مرتين، المرة الأولى خلق مفرداً، والمرة الثانية خلق من أب وأم، وهي الحياة التي نعيشها في الدنيا، أما المرة الأولى خلقنا في عالم الذر، وفيه خُلقَتْ الأرواح والأنفس وحدها بلا أب ولا أم ولا عشيرة، بلا علاقات ولا ارتباطات، لذلك القرآن يعيدنا إلى ذلك العالم.

﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف: 172] هذه الشهادة كانت في عالم قبل هذا العالم، كانت في عالم الذر.

القرآن الكريم يقول: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [الحجر: 21] كل شيء كان مختزن عند الله ثم نزل إلى عالم الدنيا، نحن كنا مختزنين في عالم آخر ثم نزلنا إلى الدنيا بأقدار معينة.

العالم الحقيقي هو العالم بعد الموت، العالم الذي نعيش فيه الآن عالم زائل تافه قصير، العالم الحقيقي هو الذي ستفتح عينيك عليه بعد الموت مباشرة، في أول لحظة بعد الموت ستفتح عينيك على العالم الحقيقي، أنت الآن في عالم صغير قصير ضيق، بمجرد أن تموت سترى عالماً غريباً، فيه أشباح، وأرواح، وملائكة، وأصناف، وألوان، عالم لم تعهده ولم تره يوماً من الأيام، ستنفتح عليه في أول لحظة بعد الموت.

ويقول القرآن الكريم: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق: 19] ثم يقول: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق: 22] كنت في الدنيا أعمى، كان حولك غطاء، وسنكشف عنك الغطاء وسترى العالم الحقيقي كما خلقه الله، هذه هي الحياة الملكوتية الحقيقية.

الأمر الثالث: الحياة بعد الموت، وهي قسمان: حياة انفصالية، وحياة اتصالية.

الحياة الانفصالية مثل حياة أكثرنا، يعيش بعد الموت حياة ثانية ولكن حياة منفصلة عن عالم الدنيا، ينطلق إلى حياة أخرى منفصلة عن هذه الحياة، ولكن قسم من الناس يموت لكن تبقى له علاقة مع عالم الدنيا، يبقى يرفرف على الأرض، يرفرف على عالم الدنيا وإن مات، يعيش حياة اتصالية لا انفصالية، هؤلاء الذين يعيشون حياة اتصالية بعد الموت يقول عنهم القرآن الكريم: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: 169]

ويقول: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ [البقرة: 154]

هم يرفرفون عليكم ولكن لا تشعرون بهم، هم انطلقوا وماتوا ولكن حياتهم بعد الموت حياة اتصالية، حياة ترتبط بالأرض وبالكائنات على الأرض، لذلك يقول القرآن: ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ حياة الشهداء، حياة الذين ضحوا وبذلوا وقدموا في سبيل مبادئهم، وفي سبيل قيمهم، وفي سبيل إحياء أمر السماء في الأرض، هؤلاء يبقون أحياء في الدنيا وفي الآخرة، لذلك تقرأ في زيارة الشهيد سيد الشهداء: ”أشهد أنك تسمع الكلام وترد الجواب“ هو يسمع سلامنا ويرد جوابنا لأنه يعيش حياة اتصالية، روحه ترفرف على ذلك الضريح العظيم، الشهيد يحيا فكيف بسيد الشهداء! فكيف بأبي الأحرار أبي عبد الله الحسين، إمام الهدى، سبط النبوة، والد الأئمة..

حركة الإمام الحسين (ع) في قراءات متنوعة
هل تنسجم معجزات الأنبياء مع المنطق العلمي؟