نص الشريط
الطيب الفاطمي
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مسجد الإمام علي (ع) بالقطيف
التاريخ: 21/6/1428 هـ
مرات العرض: 4801
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (1581)
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء «24» تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا

صدق الله العلي العظيم

انطلاقًا من الآية المباركة نتحدث عن عدة محاور:

المحور الأول: في كلمة السيدة الزهراء سلام الله عليها، فإنها من مصاديق ومظاهر الكلمة الطيبة والشجرة الطيبة.

السيدة الزهراء حينما وقفت وخطبت خطبتها المعروفة في مسجد رسول الله افتتحت خطبتها بقولها: ”الحمد لله الذي ابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها“ وهنا يقف المتأمل ليتساءل: ما معنى هذه الكلمة ”ابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها“؟ الزهراء لم تقل «ابتدع الأشياء من لا شيء» ولم تقل «ابتدع الأشياء من شيء» وإنما قالت ”ابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها“ لماذا اختارت هذا التعبير ”لا من شيء كان قبلها“ ولم تعبر بالتعبيرات الأخرى؟

هذا التعبير ”لا من شيء كان قبلها“ إشارة إلى عنوان الابتداع، هناك فرق بين الابتداع وبين الخلق، الزهراء لم تقل «خلق الأشياء» قالت «ابتدع الأشياء» هناك فرق بين عنوان «ابتداع الأشياء» وبين عنوان «خلق الأشياء»، فرق بين الخلق والابتداع، ما هو الفرق بينهما؟

الخلق يتوقف على وجود مادة، الخلق هو عبارة عن تأليف الصور بالمادة، يعني هناك مادة من هذه المادة أنا أقوم بصنع صور معينة، أمامي مادة خشبية أصنع منها صور معينة، هذا يسمى خلق، الخلق هو صنع الصور من المادة، تأليف الصور من المادة، فالخلق يحتاج إلى مادة، لذلك تلاحظ القرآن الكريم عندما يذكر كلمة الخلق كثيرًا ما يقرنها بالمادة، لأن عملية الخلق تحتاج إلى مادة تصنع منها الصور، وتؤلف منها الصور، مثلا قوله تعالى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ هناك مادة طينية صنع منها صورًا، ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ أو يقول: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ «12» ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ وهكذا، الخلق يتوقف على وجود مادة تصنع منها الصور.

أما الابتداع بحسب المفهوم الفلسفي، الابتداع لا يتوقف على وجود مادة، «ابتدع الأرواح» يعني أوجدها بنوره تبارك وتعالى لا بمادة قبلها، ليس هناك مادة، خلق الأشياء المادية بمادة، خلق الأشياء من مادة، لكنه ابتدع الأرواح لا من مادة قبلها، لم تكن هناك مادة صنع منها الأرواح، أو خلق منها الأرواح، لا، ابتدع الأرواح بإفاضته تبارك وتعالى بدون مادة قبلها، فإيجاد الأرواح يختلف عن إيجاد الأجساد، إيجاد الأجساد خلق لأنه صنع من مادة، وأما إيجاد الأرواح فليس خلقًا وإنما هو ابتداع، يعني أوجد الأرواح بإفاضته الأمرية تبارك وتعالى، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.

فهناك نوعان من الإفاضة بالنسبة إليه تبارك وتعالى: إفاضة خلقية وهي الإفاضة التي تحتاج إلى مادة كخلق الأشياء المادية، وإفاضة أمرية ابتداعية وهي الإفاضة التي تحتاج إلى مادة، بل بأمره تبارك وتعالى تتكون وتتألف الأرواح.

إذًا «ابتدع» غير «خلق»، الزهراء أرادت أن تشير إلى هذا المفهوم الفلسفي قبل ألف وأربع مئة سنة، قالت «ابتدع» ولم تقل «خلق»، ابتدع يعني أوجدها بإفاضته الأمرية لا من مادة قبلها، ولذلك اختارت هذا التعبير: ”ابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها“ يعني لا من مادة، ولو قالت «ابتدع الأشياء من لا شيء» لكان غلطًا لأن اللاشيء لا ينتج شيئا «فاقد الشيء لا يعطيه» ولو قالت «ابتدع الأشياء من شيء كان قبلها» لكان غلطًا لأن الابتداع لا يعتمد علي شيء قبله، وإنما الذي يعتمد على شيء قبله هو الخلق، ”ابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها، وصورها بلا احتذاء أمثلة امتثلها“، هذا هو المحور الأول الذي أردنا أن نتحدث فيه عن كلمة الزهراء سلام الله عليها.

المحور الثاني:

الكلمة متقومة بالمظهرية، يعني الكلمة هي مظهر المتكلم، مظهر المتكلم كلمته، إذا أردت أن تعرف شخصية أي متكلم فاسمع إلى كلامه، كلامه مظهر شخصيته، كلامه يظهر مدى فكره، يظهر مدى خطه، يظهر مدى توجه، يظهر مدى تطلعاته، كلام المتكلم مظهر لشخصيته، ورد عن أمير المؤمنين علي أنه قال: ”المرء مخبوء تحت طي لسانه“ لا تحت طيلسانه، ليس شكل الإنسان، ولا لقب الإنسان، ولا عنوان الإنسان، ولا المنصب الاجتماعي للإنسان يحكي عن شخصيته، ويحكي عن فكره، مقياس شخصيته وفكره بما هو مخبوء تحت لسانه لا تحت طيلسانه، فالكلمة متقومة بالمظهرية، مظهر شخصية الإنسان بكلمته.

لذلك مظهر شخصية السيدة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها بما تكلمت وأفصحت به من المعارف ومن المعاني ومن المضامين الشامخة، أي مسلم إذا أراد أن يقف على شخصية السيدة الزهراء ويتساءل: كيف نتعرف على عظمة السيدة الزهراء وأنها امرأة متميزة عن نساء العالمين؟ اقرأ خطبتها وتأمل المضامين الشامخة في خطبتها، تعرف مدى عظمة الزهراء، ومدى فكر الزهراء، ومدى شخصية الزهراء صلوات الله وسلامه عليها.

لذلك ورد في الحديث الشريف: ”وعلى معرفتها دارت القرون الأولى“ ما معنى هذه الكلمة: ”وعلى معرفتها - يعني على معرفة السيدة الزهراء - دارت القرون الأولى“؟ ما معنى هذا الكلام؟

هذا الكلام له معينان:

المعنى الأولى: ما بعث الله نبيًا ولا رسولا في القرون السابقة منذ النبي آدم على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام إلى يوم النبي محمد إلا وألهمه معرفة السيدة الزهراء، ”على معرفتها دارت القرون الأولى“ لأن النبوة متقومة بمعرفة الله، لا يمكن أن يكون الإنسان نبيًا حتى يكون عارفًا بربه، النبوة متقومة بمعرفة الله ومعرفة الله متقومة بمعرفة مظاهر قدرته، مظاهر عزته وعظمته، ومن أوضح مظاهر عظمته وقدرته فاطمة الزهراء ، فالنبوة متقومة بمعرفة الله، ومعرفة الله متقومة بمعرفة وجهه، هناك وجه لله، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ هناك وجه لله ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ «26» وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ما هو وجه الله؟ وجه الله وجوده الظلي، ووجوده الظلي هو الوجود الذي يحكي عظمته، ويحكي قدرته، ويحكي إبداعه، والوجود الذي يحكي عظمته وقدرته وإبداعه هو محمد وآل محمد، وأوضح مصداق لذلك فاطمة الزهراء، إذًا ما بعث نبي ولا رسول ولا ألهم وصي إلا بمعرفتها لأن معرفتها طريق إلى معرفة الله، والنبوة متقومة بمعرفة الله، هذا الوجه الأول.

الوجه الثاني: هذا الكون كله بأسره، هذا الوجود كله من أصغر ذرة إلى أكبر مجرة لماذا خلق؟ ما هو الهدف من خلقه؟ الهدف من خلقه معرفته بربه، حتى هذا الحجر، حتى هذا الجبل الصلد، حتى هذه الصخرة الصماء، خلقت لتتعرف على خالقها، لتتعرف على بارئها، من أين نعرف هذا؟ من قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ لا يوجد شيء إلا وله علاقة بربه، لا يوجد شيء إلا وهو متعرف على خالقه، لا يوجد شيء إلا وله علاقة بخالقه، ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴿قَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ الله جعل لكل شيء نطقًا، يعني جعل لكل شيء تسبيحًا، جعل لكل شيء معرفة بخالقه تبارك وتعالى، كل شيء في الوجود خلق لكي يتعرف على خالقه، فهو يسبح بحمد خالقه، ومعرفة الخالق لها طرق، ومعرفة الخالق لها مجالات وسبل، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا معرفة الخالق لها طرق، لها سبل، لها مجاري، ومن مجاري معرفته وسبل معرفته وسبل الوصول إليه معرفة السيدة الزهراء، معرفتها طريق إلى معرفة الله، فإذا كان الهدف من الوجود كله معرفة الله، ومعرفة الزهراء طريق إلى معرفة الله، إذًا هذا الوجود كله من أصغر ذرة إلى أعظم مجرة تعرف على ربه عن طريق معرفة السيدة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها، ”وعلى معرفتها دارت القرون الأولى“.

ولذلك ورد في الحديث الشريف: ”إنما سميت فاطمة لأن الخلق فطموا عن معرفتها“ يعني عن الوصول إلى كنه حقيقتها صلوات الله وسلامه عليها.

كثير من الناس يسأل: أنتم في الدعاء تقولون: «اللهم بفاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها» بعلها وأبوها وبنوها نعرفهم، لكن ما هو السر المستودع فيها؟ كنه حقيقتها، سر الإنسان كنه حقيقته، نحن عندما نذكر بعض المراجع السابقين نقول «قدس سره» ما هو سره؟ سره كنه شخصيته، كنه كيانه، كنه شخصية الزهراء، كنه حقيقتها سر مستودع فطم الخلق عن معرفته، فطم الخلق عن الوصول إليه، لذلك قال: ”إنما سميت فاطمة لأن الخلق فطموا عن معرفتها“.

نرجع ونقول: الكلمة مظهر لشخصية الإنسان، كلمة المتكلم مظهر لشخصيته، فالكلمة متقومة بحيثية المظهرية، لذلك ترى القرآن الكريم يطلق الكلمة في موارد المظهرية، مثلا القرآن الكريم يقول: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا كلمات الله هي الوجود، هذا الوجود هو كلام الله، لأن هذا الوجود مظهر لله، لعظمته، لإبداعه، فهذا الوجود هو كلامه، هذا معنى كلمات ربي، وهذا معنى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ يعني المسيح كان مظهرًا لعظمة الله ولقدرته، ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ كلمته يعني مظهر عظمته تبارك وتعالى، لذلك فالسيدة الزهراء كلمة الله، وأهل البيت كلمات الله، لأنهم مظاهر لعظمته وقدرته، ولذلك تقرأ في زيارة الجامعة: «السلام على كلماته التامة» هم كلماته لأنهم مظاهر عظمته جل وعلا.

المحور الثالث:

الآية المباركة تقول: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء «24» تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا نحن نحتاج إلى الكلمة الطيبة، مجتمعاتنا تحتاج إلى الكلمة الطيبة، فما هو المقياس في الكلمة الطيبة؟ ما هي عناصر الكلمة الطيبة؟ متى تكون الكلمة طيبة؟ ومتى تكون الكلمة - والعياذ بالله - خبيثة؟ ما هي ملامح الكلمة الطيبة؟

الكلمة الطيبة تتألف من أربعة عناصر ذكرتها الآية، نفس الآية حددت لنا عناصر الكلمة الطيبة، ملامح الكلمة الطيبة:

1» عنصر الأصالة: الكلمة الطيبة فيها عنصر الأصالة، ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ إشارة إلى عنصر الأصالة، لا تكون الكلمة طيبة ما لم تكن لها أصالة، ما معنى الأصالة؟ يقال: هذا فكر أصيل وذاك فكر دخيل، فكر عليل، ما معنى الفكر الأصيل؟ الأصالة بأن يكون الفكر عقلانيًا، كل فكر يعتمد منطق العقل، يعتمد على البراهين العقلية فهو فكر أصيل، فهو كلمة طيبة، لأنه يعتمد على الأصالة، على منطق العقل، على البراهين العقلية، هذا يسمى فكل أصيل، كلمة طيبة.

مع الأسف نحن في هذا العصر وفي هذا الزمن من الله علينا بمجموعة من القنوات الفضائية التي ترتبط بالمدرسة الإمامية، وهذه نعمة أن فكر أهل البيت، وصورة أهل البيت، وسيرة أهل البيت تتجلى الآن من خلال القنوات الفضائية الإمامية المختلفة، ولكن هذه القنوات تحتاج إلى تخطيط، تحتاج إلى حسن إدارة، تحتاج إلى تخطيط وإدارة من أجل أن تظهر صورة أهل البيت بأروع مثلها وأروع جوانبها وأروع ألوانها، نحن نلاحظ في بعض القنوات - في بعض الأحيان - من يظهر على هذه القنوات يتكلم بلا أدلة، ويتكلم بلا براهين، يطرح ادعاءات كبيرة وضخمة من دون أدلة، ومن دون براهين، يطرح أفكارًا هي من سنخ الأحلام والرؤى، أو من سنخ الذوقيات، أو من سنخ القضايا الشخصية التي لا يسندها برهان، ولا يسندها دليل، ولا يدعمها منطق العقل.

هذا الطرح يسيء إلى الفكر الإمامي أكثر مما يخدمه، هذا الطرح يسيء إلى مذهب أهل البيت أكثر مما يخدم مذهب أهل البيت، هذا الطرح يرجعنا إلى الوراء، يرجع مذهبنا إلى الوراء، نحن نحتاج إلى طرح عقلاني، طرح يستند إلى الأدلة، يستند إلى براهين، لا إلى طرح هو مؤلف من رؤى وأحلام وذوقيات وتصورات شخصية، هذا النوع من الطرح يظهر فكر الإمامية كأنه فكر هزيل، وليس فكرًا أصيل، كأنه فكر عليل، وليس فكرًا مبنيًا على الدليل، نحن نحتاج إلى الفكر الأصيل، نحن نحتاج إلى أن تكون قنواتنا الفضائية مظهرًا لعمق فكر أئمتنا، لأصالة فكر أئمتنا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، لذلك ينبغي أن تكون إدارة هذه القنوات الفضائية بيد العلماء، بيد الفقهاء، حتى يرشحوا الأشخاص المناسبين للحديث من خلال هذه القنوات، ليطرحوا الفكر النقي العقلاني الناصع الذي يظهر فكر أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، إذًا العنصر الأول عنصر الأصالة.

2» عنصر الشمولية: ماذا قالت الآية؟ ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء امتداد الفرع في السماء كناية عن الامتداد والشمولية والسعة، من عناصر الكلمة الطيبة أن يكون لها شمولية وسعة، نحن عندما نطرح أفكارنا، نحن عندما نطرح مفاهيمنا فلنركز على القضايا الشمولية، فلنركز على القضايا العامة، الحديث عن القضايا المرحلية، الحديث عن القضايا الوقتية، القضايا السياسية أغلبها قضايا مرحلية، القضايا الأخرى أغلبها قضايا وقتية، فلنركز في أطروحاتنا على القضايا الأساسية، القضايا العامة، الأهداف العامة التي تربط جميع المسلمين، وتربط جميع الشيعة، وتربط جميع المجتمعات، لتكن أطروحاتنا شمولية يحتاج إليها الجميع، ويفتقر إليها الجميع، في كل مجتمع، وفي كل زمان، وفي كل مكان، وبالتالي يكون الطرح طرحًا شموليًا، وتكون الكلمة طيبة لأنها ترتكز على عنصر الشمولية، هذا العنصر الثاني.

3» عنصر بناء الأسس: الآية المباركة قالت: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا كيف أنت تقدر تقدم عطاء مستمر؟ أنا أتكلم وأمشي، لكن هل يبقى كلامي مستمرًا؟ كيف يبقى كلامي مستمرًا في النفوس؟ كيف يحي النفوس؟ كيف يؤثر فيها؟ كيف يبقى صداه ويبقى نتاجه وأثره في النفوس؟ ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ يعني عطاء متجدد، عطاء مستمر، عطاء متفاعل لا يقف عند حد، الكلمة الطيبة من عناصرها العطاء المتجدد، العطاء المستمر، والعطاء المتجدد المستمر يتوقف على أن تهتم بالأسس، إذا الإنسان بنى الأسس صار عطاؤه عطاء مستمرًا، إذا الإنسان أمامه بناء مهدم وهو يلفق، تارة يردم هذه النافذة، وتارة يسد هذه الثغرة، وتارة يسد هذه الهوة، هذا لا يفيد، هذا كله عملية ترقيع، هذا كله عملية ترميم، عملية الترقيع والترميم لا تقدم عطاء مستمرًا، الذي يقدم العطاء المستمر بناء الأسس، بناء الأصول، بناء الدعائم، إذا كان اهتمامنا على بناء الأسس العقائدية، على بناء الأسس في الآداب والأخلاق والسلوك، على بناء الأسس في التحليل الفكري كان ذلك مصدرًا للعطاء المستمر المتجدد.

4» بإذن ربها: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا إذنه يعني الاستمداد منه، الاستناد إليه، كي تكون الكلمة طيبة فلابد أن تستمد الطيب من مصدر الطيب ومن معدن الطيب، معدن الطيب ومصدر الطيب محمد وآل محمد صلوات الله وسلامه عليهم، تحتاج الكلمة الطيبة إلى أن تكتسب الطيب حتى تزرع الطيب، زرع الطيب ونشره يحتاج على طيب، والطيب يؤخذ من معدنه، لا يؤخذ الشيء إلا من مصادره، ومعدن الطيب من كانوا طيبًا وخلقوا طيبًا وهم أهل بيت النبوة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، إذًا «بإذن ربها» يعني بأن تستند إلى معدن الطيب، الكلمة الطيبة حتى تنشر الطيب لابد أن تفوح طيبًا ولابد أن تمتلئ طيبًا.

ونحن نحتاج فعلا إلى نشر الطيب بين أبناء مجتمعنا، نحن إلى أن نعتاد على الكلمة الطيبة ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً الكلمة الحسنة تؤثر على ترابط الناس، تؤثر على ترابط العواطف، تؤثر على الجذابية، عنصر الجذابية يتمكن ويستبطن في الكلمة الطيبة، الكلمة الطيبة هي مصدر الجذابية للآخرين، لكي تجذب الآخرين عليك بالكلمة الطيبة، ﴿قُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً.

وقال تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ - التي هي أحسن وليس أخشن - فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ راجع علماء النفس ماذا يقولون خصوصًا المدرسة التحليلية في علم النفس، يقولون: كلمة الحب تزيل التوتر، أنا إذا بيني وبين شخص توتر بكلمة حب، بكلمة مودة أقتلع التوتر من قلبه، أقتلع الغبار من قلبه، أقتلع الحزازة من قلبه، الكلمة الطيبة كلمة الحب والمودة تقتلع جذور الحقد والكراهية، وتزرع بذور المحبة وزهور المودة في قلوب الآخرين، إذًا نحن نحتاج إلى الكلمة الطيبة ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ.

ولذلك في الرواية عن الإمام الصادق سلام الله عليه: ”إذا أحب أحدكم صاحبه فليظهره على حبه فإنه أوثق للمودة“ يعني إذا قال له أنا أحبك وأعزك وأحترمك يجذبه إليه، يقوي العلاقات الاجتماعيات، هذا الإنسان الذي ينشر كلمات المحبة على لسانه وبين شفتيه هو يبني مجتمعًا مترابطًا من حيث لا يشعر، أنا أبني مجتمعًا مترابطًا متآخيًا من حيث لا أشعر ببعض الكلمات، ببعض الحروف البسيطة، أنا أبني مجتمعًا متآخيًا من خلال نشر الكلمة الطيبة ونشر كلمة المحبة.

وقال تبارك وتعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ الحكمة يعني التخطيط، العمل الإسلامي والعمل التبليغي ليس خربطة مثل ما نرى - مع الأسف - من أعمالنا، خربطة لا لها أول ولا لها تالي، نحن لا نتعامل في مشاريعنا بحسن إدارة، مشاريعنا دائمًا مخربطة، مشاريعنا دائمًا مبعثرة، مشاريعنا الثقافية، الاجتماعية، الخيرية، المسجدية، المأتمية تحتاج إلى تخطيط، تحتاج إلى حسن إدارة، تحتاج إلى خطط خمسية وعشرية، ومراحل، وقراءة للتجربة، ودراسة، واستفادة من الأخطاء، نحن مشاريعنا كلها خربطة وبعثرة، لذلك مشاريعنا كثيرة لكن نتاجنا قليل، وأثرنا قليل لأننا لا نعتمد على حسن الإدارة، ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ لا بالتي هي أخشن، اجذب الآخرين نحو الدين، نحو الإسلام، نحو المذهب، نحو العقيدة، نحو أهل البيت، بالكلام الهادئ، بالفكر المبني على الأسس والدعائم العلمية، ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.

وهكذا كلمات كثيرة، نصوص كثيرة تؤكد على أهمية الكلمة الطيبة، وأن ننشر فيما بيننا الكلمة الطيبة، وأن نتعامل دائمًا بالبسمة والكلمة العذبة والكلمة الجذابة لنزرع الأخوة فيما بيننا وبين قلوبنا وأنفسنا، نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا من ذوي الكلمة الطيبة، وأن يجعلنا ممن سار على خطى أهل الكلم الطيب محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

والحمد لله رب العالمين

تراث الإمام الهادي (ع)
الزواج نصف الدين