نص الشريط
تأثير عالم المادة على مسيرة الإنسان
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مسجد الإمام علي (ع) بالقطيف
التاريخ: 23/8/1430 هـ
مرات العرض: 3248
المدة: 00:47:32
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (2042) حجم الملف: 10.8 MB
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ

صدق الله العلي العظيم

هناك سؤال تكررطرحه وإثارته وهو: ما هو سر التفضيل والتمييز بين الرسل والأنبياء؟ وما هي حقيقة التفضيل بين حجج الله على خلقه من الرسل والأنبياء والأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين؟

من أجل أن نتحدث عن هذه النقطة علينا أن نذكر عدة أمور تفيد في الوصول إلى حقيقية التفضيل وإلى مقياس التفضيل حتى بين البشر والناس العاديين والمؤمنين:

الأمر الأول:

عالم الوجود المادي الذي نعيش فيه هو عالم المحدودية وعالم الضعف والقصور، الوجود له درجات، إذا لاحظنا الوجود المادي نجده ذو درجات، فالوجود الذي يملكه النبات أقل من الوجود الذي يملكه الحيوان، وجود النبات وجود النمو فقط، أما وجود الحيوان فهو وجود الحركة والإحساس، والوجود المادي الذي يملكه الحيوان أقل من الوجود الذي يمتلكه الإنسان، فإن الوجود الذي يمتلكه الإنسان يتميز بالقدرة على الإبداع والتغيير وإنشاء مجتمع بأسره، وهذه القدرة لا يمتلكها الحيوان، إذًا الوجود المادي له درجات.

كما أن الوجود المادي له درجات هذا العالم هذا الوجود له درجات، هناك وجود روحاني محض، يعني وجود ليس مؤطرًا بإطار المادة، ولا علاقة له بالمادة، وجود روحاني محض لا يرتبط بالمادة إطلاقًا، كوجود العقول الكلية التي قد نتعرض لها فيما يأتي.

وهناك وجود برزخي يعني بين الروحاني وبين المادي، يأخذ من العالم الروحاني بعض الخصائص، ويأخذ من العالم المادي بعض الخصائص، مثل وجود الجن، الجن وجود برزخي يأخذ من العالم الروحاني بعض الصفات، ويأخذ من العالم المادي بعض الصفات أيضًا، ولذلك فالجان له القدرة على التلبس بأجساد البشر والسيطرة عليها «أو الأجساد الأخرى».

وهناك وجود مادي محضا، كالوجود الذي نعيش فيه، نبات وحجر وشجر وشمس وقمر وإنسان «إنسان يعني قصدي جسم الإنسان لا روحه» هذا وجود مادي، الوجود المادي أضعف الوجودات، الوجود المادي أقل الوجودات إمكانية واستعدادًا، هذا الوجود المادي الذي نحن نعيش فيه ونفرح بها ونعتبره وجودًا كماليًا هو أضعف الوجودات وأقلها قدرة وتمكنًا، لماذا؟

لأن هذا الوجود المادي مثار المحدودية، الإنسان يصبح محدودًا نتيجة هذا الوجود المادي، هذا الوجود المادي منشأ للمحدودية في طاقة التفكير، منشأ للمحدودية في طاقة العمل والفعل، كيف؟

الوجود المادي يشغل حيزًا من الفارغ، الوجود المادي محاط بالزمن وبالمكان، فأنا أشغل حيزًا من الفراغ ويحيطني زمن لا أستطيع أن أتخطاه، أنتظر حتى يمر الزمن لأني لا أستطيع تغييره، لا أستطيع أن أقدم اليوم الآتي ولا أستطيع أن أخره، أنتظر أن يمر علي الزمن حتى أتخطاه، فأنا محدود بحد الزمن.

أنا محدود بحد المكان، هذا المكان لا أستطيع أن أملأه كله، لأن جسمي لا يستطيع أن يملأه كله، ولا أستطيع أن أتجاوز هذا المكان إلى مكان آخر ما دمت موجودًا في هذا المكان، لا يمكنني أن أشغل مكانين في آن واحد.

إذا أنا محدود بحد الزمان ومحدود بحد المكان، وهذه المحدودية توجب الضعف في وجودي، فوجودي المادي وجود ضعيف لأنه محدود بحدين قاصرين ألا وهما حد الزمان وحد المكان، هذا الوجود المادي الضعيف يوجب ضعفًا في الطاقة الذهنية للإنسان وفي الطاقة العملية والحركية، مثلا: الإنسان لماذا يصيبه الضعف؟ نتيجة المادة، لو لم يكن الإنسان محدودًا بالمادة لما ابتلي بمرض ولا تعب ولا ضعف، لأن الجسم المادي لا يستطيع أن يقاوم كل العوامل لذلك يبتلى بالضعف، الوجود المادي لأنه لا يستطيع مقاومة كل عوامل الطبيعة لذلك يعرضه الضعف، يعرضه المرض، يعرضه القصور.

وكذلك الإنسان يصاب بالضعف في الطاقة الذهنية، أنا كيف أدرك المعلومات؟ أنا عندي طاقة ذهنية، لولا الوجود المادي لأدركت المعلومات بلا حاجة لواسطة، لكن جسمي هو الذي قيد معلوماتي، أصبحت لا أدرك المعلومات إلا عن طريق الحواس التي عندي، بالباصرة أدرك بعض المعلومات، بالسمع أدرك بعض المعلومات، بالشم أدرك بعض المعلومات، نتيجة هذا الوجود المادي صارت طاقتي الذهنية محدودة لا تدرك المعلومات إلا عن طريق الحواس، إلا عن طريق وسائط مادية، لأجل ذلك أصبحت معلوماتي قابلة للخطأ والصواب، قابلة للحق والباطل، لأنها خاضعة لحكومة الحواس، خاضعة لسلطة الحواس.

فالإنسان نتيجة وجوده المادي ضعيف، ضعيف في طاقته الحركية، ضعيف في طاقته الذهنية، فالوجود المادي منشأ للمحدودية ومنشأ للضعف ومنشأ القصور، وليس الوجود المادي وجودًا كماليًا يطمح إليه الإنسان، وهو منظور الإنسان، هو ما ينشده الإنسان، لا، ليس الأمر كذلك، هذا وجود ضعيف، أدنى الوجودات، أضعف الوجودات، هذا الوجود المادي الذي نحن نعيش فيه، هذا هو الأمر الأول.

الأمر الثاني:

الوجود المادي مثار للاختلاف بين الناس، مثار للاختلاف الكمي، مثار للاختلاف الكيفي، مثار للاختلاف الاجتماعي، الوجود المادي هو منشأ الاختلاف بيننا، الوجود المادي منشأ ومثار للاختلافات بين البشر أيًا كانت الاختلافات.

مثلا هو منشأ للاختلاف الكيفي، كيف منشأ للاختلاف الكيفي؟ أنت تشاهد بعض البشر يمتلك قوة بدنية، تشاهد بعض البشر يمتلك قوة ذهنية، من يمتلك قوة ذهنية كما يقول علماء النفس الاجتماعي: لا يوجد ذكي وأذكى، كل إنسان له ذكاء في مجال معين، هناك إنسان له ذكاء في مجال إدارة الأعمال لا ينافسه أحد في ذلك، هناك إنسان له ذكاء في مجال الفلسفة والرياضيات، هناك إنسان له ذكاء في مجال الأدب والشعر، هناك إنسان له ذكاء في مجال العلوم النقلية واللغوية، كل إنسان له مجال معين يتحرك فيه عقله وذكاؤه، من أين أتى هذا؟

هذا نسميه اختلاف كيفي، هذا له قدرة ذهنية في مجال الأدب، هذا له قدرة ذهنية في مجال الفلسفة، هذا له قدرة ذهنية في مجال الفقه، وأمثال ذلك، هذا الاختلاف الكيفي منشؤه الوجود المادي، الروح عندما اتصلت بالنطفة منذ أول يوم خضعت لعاملين: عامل الوراثة وعامل البيئة، لولا لم تتصل بالجسم المادي لما خضعت بهذه العوامل، ولكانت متحررة منها، إنما خضعت الروح للوراثة لأنها اتصلت بالنطفة، إنما خضعت الروح للبيئة لأنها اتصلت بالنطفة، إذا اتصلت الروح بالنطفة وبدأت النطفة تتحرك من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى جسم إلى... هذه الحركة يحكمها عاملان: عامل الوراثة، العروق الوراثية للآباء والأجداد تتدخل في حركة هذه النطفة كيف تتجه وأي صفات تأخذ، وأي خصائص تأخذ، عامل الوراثة يحكم أثره، ونتيجة العامل الوراثي تنصرف النفس إلى قدرة أدبية بالوراثة، تنصرف النفس إلى قدرة فلسفية بالوراثة، تنصرف النفس إلى قدرة بدنية بالوراثة، عامل الوراثة يؤثر أثره.

والعامل الآخر عامل البيئة، البيئة التي يعيش فيها الإنسان تصرف قدرته النفسية إلى مجال دون مجال، فالاختلاف الكيفي بين البشر نشأ عن علاقة الروح بالعالم المادي، وهذه العلاقة خضعت لعاملين: عامل الوراثة وعامل البيئة، هذا اختلاف كيفي.

وهناك اختلاف كمي، تجد مجال واحد يوجد عالم وأعلم، مثلا في مجال الطب، هذا طبيب وذاك طبيب أحذق منه، في مجال الفقه، هذا فقيه وذاك فقيه أكثر دقة منه، هذا الاختلاف الكمي «فقيه وأفقه، حاذق وأحذق، شاعر وأشعر» من أين نشأ أيضًا؟ نفس الشيء من العالم المادي، لا أن الله خلقه أعلم، لا، هو نتيجة علاقته بالعالم المادي صار هكذا، لماذا؟ هذا الطبيب أحذق من ذاك الطبيب نتيجة الدقة والخبرة، كلما زادت دقته وكثرت خبرته صار متميزًا على غيره في مجاله، إذًا بالنتيجة العلاقة بالمادة هي التي فرضت الاختلاف الكمي بين أبناء البشر.

وهي - العلاقة بالمادة - التي تفرض الاختلاف الاجتماعي، كيف يعني الاختلاف الاجتماعي؟ هذا الاختلاف بين الناس ما هو منشؤه؟ الاختلافات بين الناس «إما اختلاف في الدين أو في المال أو في الرئاسة، أي نوع من الاختلافات» منشؤه التزاحم على المناصب، لا يوجد منشأ آخر، قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ بغي، منشأ الاختلاف دائمًا هو البغي، حتى الاختلاف في الدين بغي، كله تزاحم على المناصب ليس إلا، منشأ الاختلاف هو عالم المادة، منشأ الاختلاف هو هذا الوجود المادي، الوجود المادي محدود، يعني مثلا لا يمكن أن يوجد في كل دولة خمسة رؤساء، لا يوجد إلا رئيس واحد، فيتزاحمون على هذا المنصب، لا يمكن أن يوجد شيوخ خمسة في عشيرة واحدة، لا يوجد إلا شيخ واحد في كل عشيرة، فيتزاحمون على هذا المنصب، المواقع المادية مواقع محدودة، لأنها مواقع محدودة صارت منشأ للاختلافات بين البشر، فيتنافسون ويتزاحمون من أجل هذه المناصب والمواقع المادية، بحق أو بباطل، منشأ الاختلاف الاجتماعي ضيق المناصب المادية، قلة فرص العمل مثلا توجب تزاحم الناس وتنافسهم على حيازة هذه الفرص، وهكذا بقية المناصب المادية.

إذًا الوجود المادي منشأ للاختلاف الكيفي، منشأ للاختلاف الكمي، منشأ للاختلاف الاجتماعي كما شرحنا.

الأمر الثالث:

الوجود المادي الذي نحن نعيش فيه هو الذي أوجب التفاضل بين الأنبياء، وهو الذي أوجب التفاضل بين الأولياء، كيف يعني أوجب التفاضل؟ دعني أشرح لك، هذا يحتاج إلى تدقيق... الله تبارك وتعالى عندما خلق الإنسان قبل أن يأتي إلى الدنيا، نحن خلقنا منذ زمن لكننا أتينا للدنيا للتو، يقول ابن سينا:

هبطت إليك من المحل الأرفع   وارقى   ذات   تعزز   iiوتمنع

يعني هذه الروح كانت في موضع آخر، في مكان آخر، في مقام آخر، الله خلق الروح أولا، الروح لا نفس فيها ولا عقل، نحن عندنا طاقتان: طاقة النفس وهي المشاعر والأحاسيس والعواطف، وطاقة العقل وهي التي تحلل المعلومات وتستنتج منها، لما كان الإنسان روحًا قبل أن ينزل إلى عالم المادة لم يكن يملك عقلا ولا نفسًا، يعني لم يكن محتاجًا إلى مشاعر وأحاسيس، ولم يكن محتاجًا إلى تحليل واستنتاج، لم يكن عنده لا نفس ولا عقل، كان روح فقط، ما هي وظيفة الروح؟ وظيفة الروح هي الشهود والانكشاف، الروح تنكشف أمامها العوالم كلها، نحن عندنا عوالم: عالم اللاهوت، عالم الجبروت، عالم الملكوت، عالم الناسوت، عالم اللاهوت عالم الأسماء والصفات الإلهية، عالم الجبروت عالم العقول الكلية، عالم الملكوت عالم الأرواح وما وراء المادة، عالم الناسوت عالم المادة، الروح قبل أن تنزل إلى الدنيا تنكشف لها هذه العوالم كلها، فالروح تعيش حالة شهود، حالة انكشاف، حالة رؤية، لا تحتاج إلى استنتاج ولا إلى مشاعر وأحاسيس، تعيش دائمًا شهود وانكشاف، العوالم منكشفة أمامها كلها.

إذا جاءت الروح إلى الدنيا قيل لها: انزلي، كيف أنزل؟! أنا أعيش شهود وانكشاف وابتهاج فكيف أنزل؟! انزل يعني ادخل السجن، عالم المادة سجن، كأنه إنسان يقال له ادخل السجن! أنت الآن طلق، حر في ما تفعل وأين تذهب، يقال لك: ادخل الزنزانة! هكذا الروح أثناء نزولها إلى عالم المادة، يجب أن تدخل هذه الزنزانة الني تقيد طاقتك وفكرك ومشاعرك، الروح تنزل من ذلك العالم الأرقى عالم الشهود إلى عالم السجن المادي فتدخل هذا العالم المادي، بمجرد أن تدخله تحتاج إلى طاقتين: طاقة نفس وطاقة عقل، لأنها لا تستطيع أن تتعامل مع العالم المادي إلا بأحاسيس وعواطف، لا يمكن لهذه الروح أن تتعامل مع الروح إلا عبر أحاسيس ومشاعر، فتحتاج إلى طاقة نسميها النفس، لا تستطيع أن تستورد المعلومات إلا عن طريق التحليل والاستنتاج فتحتاج إلى طاقة اسمها العقل، إذًا طاقتا النفس والعقل ليستا كمالاً، لا، هذه أمور احتاجها الإنسان عندما نزل إلى العالم المادي، النفس والعقل وسيلتان ليس إلا، اضطر إليهما الإنسان لأنه أتى إلى هذا العالم المادي وإلا لم يكن محتاجًا إليهما، ولذلك الإنسان بعد الموت يتخلى عنهما، لا عقل يتحرك ولا نفس عندها أحاسيس، الإنسان بعد الموت يرجع إلى عالم الشهود والانكشاف ولا يحتاج إلى هاتين الطاقتين.

إذا الإنسان جاء إلى عالم المادة واحتاج إلى طاقة النفس وطاقة العقل يبدأ الصراع، إنسان تطغى عليه طاقة النفس، يتعامل مع كل شيء بأحاسيسه ومشاعره وعواطفه، كالمرأة، المرأة تغلب عليها طاقة النفس، تغلب على طاقة العقل وعلى طاقة الروح التي هي طاقة الشهود والانكشاف، تتعامل مع أغلب الأمور بمقياس شعوري، بمقياس عاطفي، بمقياس نفسي، وبعض تطغى عليه طاقة العقل، يشغل وقته كله بالتحليل والاستنتاج، مع أنه يحتاج إلى انكشاف، يحتاج إلى التعلق بالله، يحتاج إلى الارتباط بالله، وبعضهم وهو الواصل من طغت روحه على نفسه وعقله، نفسه بيد روحه، عقله بيد روحه، طاقة الروح وهي الشهود والانكشاف طغت على طاقة النفس والعقل، فأحاسيسه بيده، وعلقه أيضًا بيده، هو المسيطر على نفسه وعلى عقله، كيف مسيطر على نفسه؟ أضرب لكم أمثلة ابتلائية حيوية كل واحد يبتلى بها:

مثلا الطاقة النفسية، هل تستطيع أن تجعل علاقاتك دائمًا بالله، يعني تحب وتبغض لله؟ لا تقيم صداقات ولا علاقات إلا تحت رضا الله، هنا تظهر سيطرة الروح على النفس، إذا استطاع الإنسان أن يحب ويبغض في الله، أنا ما عندي صداقات إلا في الله، لا أصادق إلا من يذكرني بالله، لا أصاحب إلا من يجرني للآخرة، ما عندي علاقات غير هذه، إذا استطاع الإنسان أن يحكم أحاسيسه ومشاعره فلا تتحرك نفسه في أي علاقة إلا ضمن رضا الله تبارك وتعالى فقد طغت روحه على نفسه، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ علاقاتهم كلها في إطار حب الله، يقول الشاعر:

صاحب ذوي العقل وأهل الدين   فالمرء  منسوب  إلى  iiالقرين

هل يستطيع الإنسان أن يكون هكذا؟ أو لا، يشمئز من بعض الناس بلا سبب، يحب بعض الناس بلا سبب، يرضى عن بعض الناس بدون سبب، يغضب على بعض الناس بدون سبب، إذا استطاع الإنسان أن يسيطر على نفسه فقد خطى أول خطوات الكمال.

الطاقة العقلية، أنا كيف أسيطر على عقلي؟ أقرب مثال الصلاة، الإنسان في الصلاة هل يستطيع أن يسيطر على خياله، كثير منا لا يستطيع أن يسيطر على خياله في الصلاة، بمجرد أن يبدأ الصلاة «الله أكبر» بدأ المشوار! راح إلى مكتب الخطوط وأخذ التذاكر، بعدين سوى الفيزا، وسافر ووصل مشهد، أو ماليزيا، إلى أن يقول: «السلام عليكم ورحمة الله» رجع إلى المطار مرة أخرى! هنا تظهر سيطرة الروح على العقل، كيف تكون خيالاتك بيدك، كيف تكون تصوراتك بيدك، كيف تكون لك قدرة وراء العقل؟ سيطرة الروح على العقل مقياس ومظهر من مظاهر الكمال الروحي.

إذًا الكمال الروحي يكون بسيطرة الروح على النفس والعقل، من سيطر على نفسه وعقله فكانا تحت يده استطاع أن يبلغ أوج درجات الكمال الروحي، يعني يرجع إلى عالم الشهود بدل أن ينزل إلى عالم النفس والعقل، عالم النفس والعقل عالم الحضيض، عالم المادة، هذا الذي تجره نفسه إلى عالم المادة، يجره عقله إلى عالم المادة إنسان منخفض الدرجة، أما الإنسان الذي هو الذي يجر نفسه وعقله إلى عالم الشهود والانكشاف الذي كان عليه قبل أن ينزل إلى الدنيا فهو الإنسان الذي خطى خطوات الكمال.

الأمر الرابع:

بعد أن علمنا أن عالم الوجود المادي يعني عالم الحاجة إلى النفس والعقل، وأن الإنسان الكامل هو المسيطر على نفسه وعقله، نسأل: كيف مسيطر على النفس والعقل؟ ما هو ميزان السيطرة على النفس والعقل؟

ميزان السيطرة هو الإرادة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وقال في آية أخرى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ البعض يقول لك: أن ضعيف الإرادة، لا أستطيع؟ لا، لا يوجد أحد ضعيف الإرادة، الله تبارك وتعالى خلق الإرادة في جميع البشر بدرجة متساوية تمامًا، درجة الإرادة الموجودة عندي هي درجة الإرادة الموجودة عند المعصوم، هي درجة الإرادة الموجودة عند الإنسان الآخر، الإرادة عنصر متساوي عند جميع البشر وما ربك بظلام للعبيد، إذا الإرادة عنصر متساوي كيف أنا ضعيف الإرادة وذاك قوي الإرادة؟

أنت لاحظ الأمور الكمالية وستجد أن الناس يتفاوتون فقط في إعمال الإرادة وعدم إعمالها، أضرب لك أمثلة ليتضح الأمر:

افترض مثلا جاء الليل وجاءت الساعة 12 وأنا لا أحتاج إلى النوم، ما زلت نشيطًا وأستطيع أن أبقى مستيقظًا ساعة إضافية، بعض الناس عندهم توقيت، الساعة 12 أنام يعني أنام، ويظن أن هذا الأمر حسن، لا، هذا الأمر ليس حسنًا، إذا جسمك قوي لماذا تنام؟ استغله في شيء آخر، لماذا «12 أنام يعني أنام» يعني هذا نظام عسكري استرح استعد يعني؟! هذه الليلة جسمي قوي أستطيع قراءة كتاب، أستطيع أن أتنفل، ما دام جسمي قوي ونشيط فلماذا لا أستغل الوقت بدل أن أسترخي وأنام؟ أنا في هذا الوقت وأنا أفكر: أنام أم أصلي صلاة الليل؟ أنام أم أقرأ كتاب ديني يفيدني؟ أليست الإرادة هنا متساوية؟ يعني أقدر أنام وأقدر أصلي، عنصر الإرادة متساوي النسبة في كلا الطرفين، إلا أن النفس والرغبة هي التي تتدخل في إعمال الإرادة «لا وش لك بصلاة الليل، أنت لست وليًا من الأولياء لتصلي صلاة الليل! الأفضل أن تنام» الرغبة هنا تتدخل وإلا الإرادة موجودة، فهناك من يخضع وهناك من يعمل إرادته ويقول: لا، أنا لا أخضع لنفسي ولا لرغبتي، العمر محدود، الوقت محدود، الدقائق محدودة، الفرص محدودة، دعني أستفد من وقتي وأصلي أو اقرأ، فيضغط على نفسه إلى أن يصلي صلاة الليل أو يقرأ الكتاب المفيد، هنا برزت الإرادة وأصبحت هي المقياس في تفضيل هذا على ذاك.

مثلا طبيبان، طبيب عنده القدرة على المواصلة، إذا واصل سيصبح بروفسور، لكنه لم يواصل، لماذا؟ يقول لك: مالي خلق الدراسة! هنا الإرادة هي الدخيلة، لماذا هذا أصبح بروفسور وذاك لا؟ مع أن كلاهما يمتلك نفس الإمكانية وكلاهما يمتلك نفس القدرة وكلاهما يمتلك نفس الفرصة، هذا أراد الكمال فبلغه، وذاك طغت عليه نفسه المادية فأعاقته عن الوصول إلا إلى الكمال، ليس المقياس إلا عنصر الإرادة، إعمال الإرادة هو مقياس التفضيل والتمييز.

أنت الآن يعرض عليك طعام شهي تحبه، هل عندك قدرة على ألا تأكل؟ تقول أنا اليوم لن أكل، سأتحدى نفسي ولن أكل، إذا عندك هذه القدرة فستلتذ بها، لأن اللذة في ترك اللذة، لذة الانتصار على النفس والهيمنة على النفس هذه إرادة.

النتيجة: أن مقياس التفضيل هو الإرادة، مقياس التمييز بين البشر هو الإرادة، من امتلك إرادة الكمال بلغه وطغى على نفسه وعقله، لا أن تطغى نفسه أو عقله عليه، إذا كان ذا إرادة بلغ درجة الكمال، هنا تتفاوت درجات الأنبياء والأولياء، في منطقة سيطرة الروح على النفس والعقل بالإرادة، فهناك من ليس لنفسه أي أثر عليه فلا يخالف حتى الأولى، إذا قيل له أن المستحب فعل كذا لم يخالفه، لا يخالف حتى المستحب، لا يخالف حتى المكروه، ليس لنفسه أي تأثير عليه، وهذا من بلغ أعلى درجات العصمة «محمد وآل محمد صلوات الله وسلامه عليهم» قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا لماذا قال «ويطهركم تطهيرًا» ولم يكتفي ب «يذهب عنكم الرجس»؟ هذه الزيادة لأنهم بلغوا إلى درجة أن النفس لا تأثير لها عليهم، لا يخالفون مستحبًا ولا مكروهًا، ولا يتركون الأولى، آدم نبي معصوم خالف الأولى، الأولى ألا يأكل من الشجرة، لكنه خالف الأولى، وبعض الأنبياء حصلت لهم مخالفات للأولى.

إذًا بالنتيجة تفضيل الرسل بعضهم على بعض في هذه المنطقة، منطقة سيطرة الروح على النفس والعقل.

محمد وآل محمد صلوات الله وسلامه عليهم في حالة شهود، يعني هم دائمًا في عالم الروح لا في عالم النفس والعقل، في حالة شهود وانكشاف، لذا ورد عن أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه: ”ما رأيت شيئًا إلا ورأيت الله قبله وبعده وفوقه وتحته وفيه“ ”لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينًا“ أنا في حالة شهود وانكشاف، روحي تسيطر علي، أنا قبل أن نزلت إلى عالم المادة وبعد أن نزلت إلى عالم المادة في حالة واحدة، كما كنت قبل الدنيا ما زلت كذلك في حالة الشهود والانكشاف ”لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينًا“.

لذلك الله تبارك وتعالى لم يعطهم هذه المقامات إلا لعلمه بإرادتهم، يعني لماذا لم يعط الله ما أعطاه لنبيه محمد إلى موسى أو عيسى؟ لأنه علم أن روح محمد أكثر إرادة من روح موسى ومن روح عيسى وأكثر سيطرة على النفس والعقل من أي روح أخرى، لم يكن أشرف المرسلين حتى علم الله أنه أزكاها، باختياره، بإرادته، بذاته، هو صار أكثر إرادة، هو صار أكثر صبر، لأن الله علم بذلك أعطاه هذه المقامات جزاء له، فهذا التفضيل ليس عشوائيًا ولا اعتباطيًا.

﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ موسى سمع الصوت من الشجرة، هذه ميزة تميز بها موسى، ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ يعني كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحي الموتى بإذن الله، هذه ميزة لعيسى ، الوسط أفضل منهما معًا ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ هذا الوسط أفضل من الأول - من كلم الله - وأفضل من الثاني - وآتينا عيسى ابن مريم البينات - ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ يعني محمدًا ، عيسى لأمة وموسى لأمة وأما محمد فقد قال في حقه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ، أنت لست لأمة، عيسى نبي، موسى نبي، أما النبي محمد «مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ»، عيسى أعطي كتابًا محدودًا وموسى أعطي كتابًا محدودًا أما النبي محمد فقد قال في حقه: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ القرآن مهمين على الكتب السماوية كلها، وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ فإذًا الآية: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ناظرة للنبي .

بهذا التحليل الذي ذكرناه نعرف سر التفاضل بين الناس، وسر الاختلاف بين الناس، ومدى تأثير هذا الوجود المادي الذي نحن نتحارب عليه، ونتنازع عليه، ونتقاتل عليه، هذا الوجود المادي الذي نتقاتل على مناصبه ونتحارب على مواقعه ونتنازع على فرصه هو وجود محدود ضعيف، ومع ذلك نتنازع عليه، ولو أعطينا الروح فرصة للسيطرة على النفس والعقل لما تنازعنا عليه.

وقلنا لكلاً مقامه الذي يسره الله له وموقعه الذي فتحه الله لع ولكلاً ما فتح الله عليه بتوفيقه ومدداً منه «أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ»

والحمد لله رب العالمين

فاعلية العمل الصالح
التشيع فخرٌ واعتزاز