نص الشريط
الحلقة 9 | قاعدة اللطف في الميزان
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 19/12/2019 م
مرات العرض: 925
المدة: 00:42:41
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (48) حجم الملف: 19.5 MB
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

ما زال الكلام في الملازمة بين إدراك العقل النظري والحكم الشرعي.

مثلاً: إذا أدرك العقل النظري على نحو الجزم أن في اختراع الإنسان لأي مخترع مناطاً لثبوت الحق له في اختراعه، يسمى بحق البراءة، فهل يحكم الشارع على طبق هذا الإدراك، بأن يقرر للمخترع حقاً في مخترعه كما أن العقل أدرك أن للمخترع حقاً في مخترع؟

أو كما قلنا بأن العقل النظري يدرك أن ملاك ثبوت الدية في قتل الرجل متوفر في قتل المرأة، كما أن الأسرة إذا خسرت رجلاً فإن من حقها أن تعوض عن هذه الخسارة بدية كاملة فإن الأسرة إذا خسرت امرأة فإن من حقها أن تعوّض بدية كاملة، ولا فرق في ملاك ثبوت الحق بين كون المفقود رجلاً أو امرأة.

إذا أدرك العقل النظري هذه القضايا فهل يحكم العقل العملي على طبقه أم لا؟

وذكرنا في الأسبوع الماضي أن هنا نظريتين:

النظرية الأولى: الرأي المعروف عند الأصوليين.

بيان النظرية:

هذه النظرية تعترف بالملازمة وأنه إذا أدرك العقل النظري حقاً أو حكماً على نحو الجزم تثبت الملازمة بين حكمه وحكم الشرع.

وذلك لما ذكره علماء الأصول في بحث حجية القطع من أن حجية القطع عقلية، بمعنى أنه لا يمكن للمشرع أن يردع عن حجية القطع، أي لا يمكن للمشرع أن ينهى عن العمل بالقطع، فلو أن إنساناً قطع بحكم شرعي نتيجة هذه الملازمة فلا يمكن للمشرع أن يردعه عما قطع به.

مثلاً في المقام: إذا أدرك العقل بأنه كما يقبح التدخين لكونه إتلافاً للنفس أو إيقاعاً بها للخطر أيضاً يحرم التدخين شرعاً، إذا قطع العقل بحرمة التدخين شرعاً نتيجة إدراكه لملاك الحرمة - وهو معرضية الخطر - فحينئذ مع قطع العقل بأن التدخين حرام شرعاً لا يمكن للمشرع أن ينهى عن العمل بهذا القطع ويردع عنه، أي لا يمكن له أن يرفع حجية القطع، وهذا هو معنى القول بالملازمة.

العقل أدرك أن في التدخين ملاكاً يقتضي الحرمة، أدرك أن في التدخين علة تامة لثبوت الحرمة شرعاً، فأدرك الحرمة شرعاً على نحو الدليل اللّمي، إذا أدرك العلة أدرك المعلول، إذا أدرك أن في التدخين مفسدة ملزمة تقتضي الحرمة - وهو معرضية الخطر - أدرك الحرمة قطعاً، فإذا أدرك الحرمة فلا مجال للمشرع أن يرفع هذه الحجية، أي حجية حكم العقل بأن التدخين حرام شرعاً، نتيجة إدراكه لملاكه التام.

مناقشة النظرية:

هذه النظرية نوقشت في علم الأصول من قِبَل بعض الأعلام، من جهتين:

1. هل يمكن للمشرع أن يحكم على طبق ما حكم به العقل القطعي؟

2. وتارة نتحدث هل يمكن أن يحكم المشرع على خلاف العقل القطعي أم لا؟

الجهة الأولى: هل يمكن أن يحكم الشرع على طبق ما حكم به العقل القطعي؟

إذا قطع العقل بحرمة التدخين شرعاً لأنه أدرك ملاك الحرمة، أو قطع العقل بأن للمخترع حقاً شرعياً؛ لأنه أدرك ملاك هذا الحق، فهل من الضروري أن يحكم المشرع على طبقه، كما تقرر النظرية المعروفة عند الأصوليين؟ أم أنه لا يمكن أن يحكم الشرع بما حكم به العقل؟

ذكر جمع من الأعلام بأنه مع قطع العقل أن التدخين حرام شرعاً فحكم المشرع على طبقه لغو لا فائدة فيه؛ لأنه إذا حكم العقل بأنه حرام شرعاً كان حكم العقل كافياً في الزاجرية والرادعية عن تناول التدخين، فحكم العقل على طبقه لغو لا محالة.

والسيد الخوئي قدس سره ذهب إلى ذلك، ولذلك في بحث منجزية العلم الإجمالي قال: بعد أن كان العلم الإجمالي منجزاً عقلاً فحكم الشارع بوجوب الاحتياط في مورد العلم الإجمالي لغو لا حاجة إليه.

مثلاً: إذا علم المكلف أنه في يوم الجمعة إما تجب الظهر أو تجب الجمعة، ونتيجة لعلمه الإجمالي بأنه إما تجب الظهر تعيينا أو تجب الجمعة تعييناً يحكم العقل بمنجزية العلم الإجمالي، ومقتضى منجزية هذا العلم الإجمالي أن يجمع المكلف بين الظهر وبين الجمعة.

هنا لو أراد أن يحكم المشرع على طبق حكم العقل يقول السيد الخوئي هذا لغو؛ لأنه مادامت المنجزية العقلية للعلم الإجمالي كافية في المحركية بأن يأتي بالظهر والجمعة فجعل وجوب الاحتياط في هذا المورد يكون لغواً لا وجه له.

لكن الصحيح: أنه ترتفع اللغوية بأحد أمرين:

1. حكم الشارع إما لتأكيد هذه المحركية والزاجرية.

2. أو لإعطاء محركية لمن لا يحركه حكم العقل.

صحيح أن المكلف قطع بأن التدخين ذو مفسدة وخطر، وقطع بأن العلم الإجمالي منجز، ولكن حكم الشرع على طبقه متوعداً بالعقوبة على مخالفته يؤكد تلك المحركية، يؤكد تلك الزاجرية، فحكم الشرع على طبق حكم العقل ليس لغواً؛ لأنه بالنتيجة مؤكد لزاجرية العقل، ومحركيته، وليس أمراً عبثاً ولغواً.

أو محرك لمن لا يحركه العقل، بعض المكلفين لا تحركهم الأحكام العقلية، وهذا كثير عند الناس، مع أنه يدرك أن في التدخين معرضية الخطر ومع ذلك لا يحركه عقله بالاجتناب، أي لا يزجره عقله عن الوقوع فيما هو معرضية الخطر.

إذاً: حكم الشرع هنا على طبق ما حكم به العقل زاجر لمن لا يزجره عقله، محرك لمن لا يحركه عقله، فحكم الشرع على ما قطع به المكلف ليس أمراً لغواً.

وبالتالي: حكم العقل بمنجزية العلم الإجمالي، يعني بأن يوجد الاحتياط في موارد العلم الإجمالي وجوباً شرعياً هذا ليس لغواً، على الأقل هو يمنع من جريان البراءة في موارد العلم الإجمالي.

الجهة الثانية: هل يمكن أن يحكم المشرع على خلاف العقل القطعي أم لا؟

بأن يقول له أنت وإن قطعت بالحكم الشرعي لكن أنا لا أرى قطعك حجة، لا تعمل به.

هنا يتصور فرضان:

الفرض الأول: أن الشرع ينهى عن العمل بالطريق، لا أنه ينهى عن العمل بالقطع.

افترضنا أن المكلف قطع بحرمة التدخين نتيجة رؤيا المنام أو الاستخارة أو علم الجفر والرمل مثلاً، المهم أنه قطع بحرمة التدخين شرعاً عن طريق من الطرق، وهنا الشارع الشريف يقول له هذا الطريق لا تعمل به، لا تعمل بالرؤيا والمنام، لا تعمل بالاستخارة، لا تعمل بالجفر والرمل في مجال استنباط الأحكام الشرعية، هذا أمر لا مانع منه، لا أحد يقول بامتناعه، نهي عن العمل بالطريق وليس نهياً عن العمل بالقطع، هذا الطريق عندي ليس حجة، هذا الطريق عندي ليس طريقاً للواقع، هذا إلغاء لأمارية الطريق وحجيته، وهذا لا إشكال فيه.

الفرض الثاني: أن ينهى عن العمل بالقطع.

بمعنى أن المكلف بعد أن قطع بالحكم الشرعي استناداً إلى الاستخارة أو قول الطبيب بأن في التدخين معرضية الخطر، بعد أن قطع بالحكم الشرعي يقول له الشرع لا تعمل بقطعك هذا، يقول المكلف أنا قاطع بأنك حرمت التدخين، يقول أنت لا تعمل بقطعك هذا، وإن كنت جازماً بأن التدخين حرام ولكن أنا أنهاك عن العمل بقطعك هذا، لا تعمل به.

هل هذا ممكن أم لا؟ هل يمكن للمشرع أن ينهاه عن العمل بقطعه أم لا؟

ذُكر في كلمات الأصوليين وجوه ثلاثة لمنع نهي الشارع عن العمل بالقطع، يعني الشارع يستحيل أن ينهى المكلف عن العمل بقطعه:

المانع الأول: حكم العقل له موضوع، العقل حكم بضرورة اجتناب التدخين، وموضوع هذا الحكم العقلي إدراكه أن التدخين حرام شرعاً، لأنه أدرك أن التدخين حرام شرعاً حكم عقله بضرورة اجتنابه.

هنا لا يمكن للمشرع أن ينهى إلا أن يزيل قطعه، يعني إلا أن يرفع حكم العقل برفع موضوعه، بأن يزيل قطع المكلف.

وهذا خارج عن محل بحثنا؛ لأن بحثنا: ما دام واجداً للقطع هل يمكن أن ينهاه المشرع عن العمل بقطعه أم لا، وأما إذا أزال قطعه فهذا أمر آخر، هذه مسألة تكوينية، أزال قطعه تكويناً فزال حكم عقله، لزوال موضوعه.

المانع الثاني: ما ذكره السيد الخوئي.

إذا قطع العقل بأن التدخين حرام فلو قال الشرع رخصت لك في أن تشرب التدخين، يقول أنا قاطع بأنك تحرم التدخين، يقول له رخصت لك في ترك متابعة القطع.

يقول السيد الخوئي: لأن القاطع يرى أن هذه معصية فهذا ترخيص في المعصية، والترخيص في المعصية ترخيص في القبيح، والترخيص في القبيح قبيح، والقبيح لا يصدر من الحكيم، إذاً من المستحيل أن ينهى المشرع عن العمل بالقطع.

الملاحظة على هذا التوجيه: وهذه الملاحظة أيضاً ترد على المانع السابق: لماذا يحكم العقل بضرورة اجتناب التدخين بعد إدراكه أن التدخين حرام؟

إما لأنه يرى للمولى حق الطاعة، أو من باب دفع الضرر المحتمل:

فإن كان المناط حق الطاعة: فصاحب هذا الحق وهو المولى إذا قال للمكلف أنا رخصت لك في شرب التدخين، فصاحب الحق رفع يده عن العمل بحقه، فأي استحالة في ذلك؟! هذا ليس ترخيصا في المعصية، لا يصدق عليها أنها معصية حتى يكون ترخيصاً في المعصية وقبيحاً.

الشارع يقول: أنت إنما يحكم عقلك بضرورة اجتناب التدخين لأن عقلك يحكم بأن لي حق الطاعة، وأنا صاحب هذا الحق أقول لك لا يجب إعمال حق الطاعة في هذا المورد.

ولذلك التزم الفقهاء بأن الوسواسي منهي عن العمل بقطعه، مع أنه قاطع بأن هذا حرام وهذا نجس، ومعنى لا تعمل بقطعك: أنك إنما يجب أن تجتنب هذا النجس احتراماً لي لأن لي حق الطاعة، أنا رفعت يدي في هذا المورد.

فإذا رخص الشارع في عدم العمل بالقطع لم يكن ترخيصاً قبيحاً لأنه ليس ترخيصاً في المعصية، وإنما هو رفع لحق الطاعة الذي ثبت للمولى.

وإذا كان المناط دفع الضرر المحتمل: إنما يجب اجتناب التدخين دفعاً للعقوبة المحتملة في الآخرة، فإذا رخّص الشارع وقال اشرب التدخين ولا تعمل بقطعك ولا مانع عندي، فنقطع بعدم العقوبة، إنما تكون العقوبة محتملة فرع عدم ترخيص الشارع، فإذا رخص الشارع في ترك العمل بالقطع لم تكن العقوبة محتملة حتى يكون احتمال العقوبة محركاً أو زاجراً.

فهذا المانع الثاني أيضاً ليس تاماً.

المانع الثالث: ما ذكره السيد الشهيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره.

من أن المكلف إذا قطع بالحكم الشرعي، كما لو فرضنا قطع بحرمة التدخين وأصدر المشرع ترخيصا على خلافه، قال التدخين عندي حلال، يقول المكلف أنا قاطع بأنك ترحمه، قال: أنا رخصت لك في شربه، رخصت لك في ترك العمل بقطعك.

يقول السيد الشهيد: هذا الترخيص إما حكم واقعي أو ظاهري:

فإن كان حكماً واقعياً: لزم - بنظر القاطع - اجتماع الضدين؛ هذا التدخين حرام لأنني قطعت بحرمته، وهو حلال لأن الشارع أصدر ترخيصاً شرعياً واقعياً في شربه، فبنظري أنا القاطع اجتمع الضدان في مسألة التدخين، واجتماع الضدين في مورد واحد محال.

وإن كان حكماً ظاهرياً: فالترخيص الظاهري فرع الشك والقاطع ليس عنده شك، فينتفي الحكم الظاهري بانتفاء موضوعه؛ فلا معنى لأن يرخص الشارع في شربه ترخيصاً ظاهرياً.

نقول: الترخيص ظاهري وليس واقعياً.

يمكن للشارع أن يصدر ترخيصاً، لكنه ظاهري وليس واقعياً حتى يجتمع الضدان.

وأما كون الترخيص الظاهري فرع وجود الشك وإلا لكان هذا الترخيص لغواً، نقول: يكفي في رفع لغويته أنه يثير في المكلف احتمال خطأ طريقه، يقول المكلف أنا قاطع، فالمكلف مادام قاطعاً بحرمة التدخين شرعاً لا يحتمل الترخيص، لكن إذا وصله أيضاً على نحو الجزم ترخيص شرعي ظاهري، فائدة هذا الترخيص الشرعي الظاهري إثارة احتمال الخطأ، أن يحتمل أن الطريق الذي اتكأ عليه في الوصول إلى الحرمة طريق خاطئ قاصر عن كشف الواقع وإراءة الواقع، يكفي في دفع لغوية الترخيص الشرعي الظاهري وإن لم يكن لدى المكلف حال قطعه شك، يكفي في عدم لغويته أنه سبب في إثارة احتمال الخلاف والخطأ في الطريق الذي اعتمد عليه المكلف.

والنتيجة: هذا الاتجاه الأول الذي يقول: كلما قطع المكلف بملاك الحكم الشرعي قطع به، وكلما قطع بالحكم الشرعي فهناك حكم شرعي على طبقه، هذا الاتجاه غير تام.

نعم ربما يكون قاطعاً بأن في التدخين خطراً، وقطع بأن التدخين حرام شرعاً، وقطع بأن الشارع يحكم على ضوء حكمه، هو قاطع في قاطع في قاطع، فليكن! غايته أن هذه الملازمة اعتقادية وليست ملازمة واقعية، يعني هو معتقد بالملازمة بين حكمه وحكم الشرع، ولكن لا توجد ملازمة واقعية كما هو يعتقد.

فالملازمة في المقام اعتقادية، لا أن الملازمة واقعية ثبوتية.

النظرية الثانية: اتجاه المحقق الإصفهاني.

حتى لو أدرك العقل النظري الملاك التام والعلة التامة للحكم الشرعي، وعلى ضوء ذلك أدرك حكماً شرعياً بنظره، ليس هناك ملازمة بين حكمه وبين حكم المشرع.

والسر في ذلك: ما هي المناطات أو الملاكات التي على أساسها نحكم بالملازمة؟

عندنا مناطات ثلاثة على إثرها نحكم بالملازمة، ما أدركه العقل يحكم به الشرع:

المناط الأول: قاعدة اللطف.

بيانه: بما أن العقل يدرك أن في التدخين خطراً، ولأجل أن فيه خطراً لابد أن يحكم الشارع بحرمته؛ لأن العقل يدرك أن في الاختراع حقاً ولأن للمخترع حقاً فلابد أن يحكم الشارع بهذا الحق وحرمة تفويته، لأن العقل يدرك أن خسارة المرأة كخسارة الرجل، فلابد للشرع أن يحكم بأن للمرأة دية كاملة كما يحكم العقل بذلك. هذا ما يقرره العقل.

يقول المحقق الاصفهاني: قد يقال بأنه لو لم يقرر الشرع ما قرره العقل فهذا يتنافى مع لطف الشارع، مقتضى قاعدة اللطف أن يحكم بما حكم به العقل. لماذا؟

لأن قاعدة اللطف بحسب تقرير علماء الكلام: أن كل مورد يدرك الشرع الشريف أنه ما لم يصدر من قِبَله حكماً فإن اتكاءه على العقل وحده لن يوصل المكلفين إلى درء المفاسد وجلب المصالح.

الشرع يدرك أن في هذا المورد مصلحة ضرورية، لكن لو اتكأ على العقل لن يصل المكلفون إلى جلب هذه المصلحة الضرورية، أو الشرع يدرك أن في هذا المورد مفسدة خطرة إذا اتكأ على العقل لن يوصل العقل وحده المكلفين إلى اجتناب هذه المفسدة، مقتضى لطفه أن يصدر ما يعين العقل على جلب المصلحة الضرورية ودرء المفسدة الخطرة.

هنا أيضاً نقول: في التدخين معرضية الخطر، والشرع يدرك ذلك، ولو اتكأ الشرع على العقل لم يكفِ العقل في زاجرية المكلفين عن الوقوع في هذا الخطر، لو اتكأ الشارع على العقل لم يكف ذلك في زاجرية المكلفين عن الوقوع في هذا الخطر، فمقتضى لطفه تبارك وتعالى أن يصدر حكما على طبق ما حكم به العقل، يقول يحرم التدخين ومن دخّن أعاقبه، في سبيل صيانة المكلفين عن الوقوع في هذه المفسدة الخطرة.

قاعدة اللطف هي التي تقتضي الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع.

المناقشة: إذا رجعنا إلى قاعدة اللطف المذكورة في علم الكلام نجد أنه ناقشها عدة من علمائنا في كتب الأصول - منهم السيد الخوئي في مصباح الأصول - لأنهم في الأصول استدلوا على حجية الإجماع بقاعدة اللطف، ولذلك هناك ناقش العلماء في تمامية هذه القاعدة وعدم تماميتها فذُكر في علم الأصول: أن اللطف على نوعين: لطف مقوّم ولطف مقرّب، ولو قلنا بوجوب اللطف، فهو في اللطف المقوّم لا في اللطف المقرّب.

نضرب مثالاً على كل منهما:

مثال اللطف المقوم: كأن يقال بأن المجتمع البشري يحتاج إلى نظام، إذ لولا وجود نظام لعاش المجتمع البشري هرجاً ومرجاً وفوضى تقضي على الأنفس والأموال، المجتمع البشري يحتاج إلى النظام وهذا أمر قطعي، والعقل وحده لا يستطيع أن يصل إلى نظام صالح للمجتمع البشري في كل زمن وفي كل مجتمع؛ لأن العقل - كما يقولون - ابن زمانه، أي العقل مهما بلغ من النبوغ فإنه إنما يدرك المصالح والمفاسد التي توجب تشريع النظام بحدود زمانه ومجتمعه، العقل محدود، فالعقل وحده لا يستطيع أن يصل إلى نظام عام لكل الأزمنة والمجتمعات.

إذاً: المشرع تبارك وتعالى يرى أن البشرية تحتاج إلى النظام، ويرى أن الاتكاء على العقل لا يمكن أن يوصل إلى هذا النظام، فمقتضى علمه بحاجة المجتمع البشري إلى النظام وعدم صحة الاتكاء على العقل أن ينزل نظاماً من السماء، مقتضى علمه أن ينزل نظاماً من السماء؛ لأنه إن لم يُنزل فعدم إنزاله للنظام إما لجهله وإما لعجزه وإما لعدم حكمته، والمنافذ الثلاثة منتفية:

أما جهله: فهو محال؛ لأن العلم عين ذاته.

وأما عجزه: فهو محال؛ لأن القدرة عين ذاته.

وأما عدم حكمته: فهو منفي بأن ذاته عين الكمال، ومقتضى الكمال أن يكون حكيماً.

إذاً: مقتضى علمه بحاجة البشرية إلى النظام وعدم صحة الاتكاء على حكم العقل، وقدرته على تلبية هذه الحاجة، وحكمته التي تقتضي وضع الشيء في موضعه، مقتضى علمه وحكمته وقدرته أن يُنزل هذا النظام.

قاعدة اللطف الواجب، المسمى باللطف المقوّم هي ما يرجع إلى العلم والقدرة والحكمة، هذا يعبر عنه باللطف المقوم، وهذا لابد منه.

مثال اللطف المقرب: نقول مقتضى اللطف المقوم أن يُنزل نظاماً وأن يبعث الأنبياء والرسل والحجج لتبليغ هذا النظام، لكن هل يعتبر في هذا النبي أو هذا الإمام أو هذا الحجة أن يشتمل على صفات جذابة، كأن يكون من أجمل الناس وأطيب الناس رائحة وأحسن الناس أسلوباً في الكلام وغير ذلك من الصفات، بأن يجعل فيه كل الخصائص الجذابة، بحيث يقرب الناس إلى طاعة الله ويبعدهم عن معصيته؟ يكون أرسخ في تبليغ النظام الصادر من السماء؛ لأنه إذا امتلك هذه الخصائص الجذابة كان أقوى على إيصال النظام إلى نفوس الناس، هل هذا لطف واجب؟ هل هذا لطف مقوم؟

يقولون: هذا لطف مقرب وليس مقوماً، هذا ليس أمراً حتمياً، بمعنى أنه يكفي إيصال النظام إلى نوع الناس ولا يجب إيصال النظام إلى كل شخص شخص، فما دام يكفي في إيصال النظام إلى المجتمع البشري نوعاً هو أن يمتلك القدرة على الإيصال، ولو لم يكن أجمل الناس ولا أفضل الناس أسلوباً ولا أطيب الناس رائحة، بل افترضنا أنه مثل أي بشر عادي في شكله وأسلوبه وخصائص جسمه وأي شيء آخر، الغرض الإلهي متحقق.

نعم لو ملك الخصائص الجذابة لكان أكمل، لكن لو لم يمتلكها فالعقل يقول لا يجب حصولها، فاللطف في هذا المورد لطف مقرّب وليس لطفاً مقوماً، وبما أنه لطف مقرب وليس مقوماً لا يجب على الله تبارك وتعالى أن يتعامل به مع عباده.

لذلك في مسألة حجية الإجماع قالوا: إذا أجمع الفقهاء على حكم فمقتضى اللطف أن يكون الإمام معهم؛ لأنه لو لم يكن معهم لكان الفقهاء قد أجمعوا على حكم مخالف للواقع، فمن أجل أن لا تطبق كلمة المسلمين على حكم مخالف للواقع، أو تطبق كلمة الإمامية على حكم مخالف للواقع، مقتضى اللطف أن يدخل الإمام مع المجمعين، فمتى ما أجمع علماء المسلمين أو علماء الإمامية على حكم نقطع بأن الإمام منهم؛ لأنه لا يمكن أن يراهم مجمعين على حكم ولا يردعهم عن ذلك إذا كان هذا الحكم مخالفاً للواقع.

لماذا لا يمكن؟ لأنه خلاف لطفه.

نقول: هذا اللطف لطف مقرب وليس لطفاً مقوماً، إذا أجمع المسلمون كافة عامة على حكم مخالف للواقع ماذا سيحصل؟! وهل هذه المفسدة الوحيدة التي وقع فيها المسلمون؟! الكثير من المفاسد يقع فيها المسلمون إلى يوم القيامة.

وقوعهم في المفسدة في هذا المورد لا يشكّل مشكلة مادامت ضروريات الدين ومسلماته وضروريات المذهب ومسلماته قائمة، لا يجب على الإمام وليس لطفاً مقوماً أن يردعهم في هذا المورد، فهذا من موارد اللطف المقرب لا المقوم.

في محل كلامنا نعود إلى المسألة، وهي: إذا قطع العقل بحرمة التدخين نتيجة لقطعه بملاك الحرمة، حيث أدرك أن في التدخين خطراً، والخطر يقتضي تحريماً شرعياً؛ إذاً العقل أدرك الحكم على نحو القطع.

هنا الشرع يدرك أن في التدخين خطراً، ويدرك أنه لو لم يصدر حرمة مع الوعيد بالعقوبة فإن العقل لا يكفي وحده في اجتناب هذه المفسدة، ولذلك كثير من الناس يدخنون عناداً وإذا قلت له التدخين، حرام يزيد في التدخين.

فإذاً: الشرع يدرك أن في التدخين مفسدة خطرة ويدرك أن الاتكاء على العقل وحده لا يكفي في اجتناب هذه المفسدة، فحينئذ من لطفه أن يصدر حكماً على طبق حكم العقل.

نقول صحيح هذا من لطفه - بلا كلام - لكن هل هو لطف مقوم واجب عليه أو لطف مقرب؟ نعم لو أصدر حكماً لكان أكمل وأفضل، جنّبهم خطر هذا المورد، لكن لو لم يصدر حكماً واتكأ على عقولهم وعلى عقولهم، لم يكن ذلك منافياً لحكمة المشرّع، ولا يوجب ذلك أن يتصف المشرع بكونه مشرعاً غير حكيم، لأن بعض المفاسد اتكأ على العقل فيها.

يأتي الكلام في تعميق هذه المطالب إن شاء الله تعالى في الأسبوع القادم.

والحمد لله رب العالمين

الحلقة 8 | هل هناك ملازمة بين قرار العقل وحكم الشريعة
الحلقة 10 |