نص الشريط
أسلوب الحياة بين الرؤية الدينية والرؤية الغربية
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مجلس الغدير - النرويج
التاريخ: 6/1/1444 هـ
مرات العرض: 279
المدة: 01:01:16
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (52) حجم الملف: 17.5 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [القصص: 77]

صدق الله العلي العظيم

انطلاقاً من الآية المباركة نتحدث في محورين:

  • في مقومات الشخصية.
  • في أسلوب الحياة بين الرؤية الغربية والرؤية الدينية.
 المحور الأول: في مقومات الشخصية.

ما هو تعريف الشخصية وما هي مقوماتها؟ وما هي الشخصية السوية؟

في كتاب الشخصية الإنسانية واضطراباتها النفسية للدكتور سليمان عبد الواحد يتحدث من خلال علم النفس الاجتماعي عن تعريف الشخصية ومقوماتها، ومقومات الشخصية السوية، وتعريف الشخصية كما يعرفها ألبرت وهو من علماء النفس الاجتماعي هي عبارة عن الانتظام الدينامي للخصائص العقلية والنفسية بما يتوافق مع المحيط الاجتماعي، عندما تتوافق صفاتي وخصائصي مع المحيط الاجتماعي الذي أنتمي إليه بحيث أستطيع أن أبرز طاقاتي وقدراتي ومواهبي في هذا المجتمع فأنا إنسان أمتلك شخصية، أما الإنسان المضطرب الذي لا يستطيع أن يتوافق مع مجتمعه ولا يستطيع أن يبرز مواهبه وقدراته في وسط مجتمعه لا يملك شخصية، فالشخصية أن تستطيع التوافق مع مجتمعك وأن تستطيع أن تبرز مواهبك وقدراتك من خلال مجتمعك.

وفي علم النفس الاجتماعي هناك مقومات ثلاثة لكل شخصية إنسانية: النزعة نحو الخير، والمعنى في الحياة، والامتزاج بين الحرية والمسؤولية.

المقوم الأول: النزعة نحو الخير.

كل إنسان كما يقرر علماء النفس يحب الخير حتى هذا الإنسان الشرير الظالم لو عاد إلى فطرته لرأى أنه يعيش نزعة نحو الخير وحباً ورغبة في تحقيق الخير، كل إنسان يعيش نزعة الخير بطبعه وفطرته، وإنما يحتاج إلى بيئة وأسرة تساعده على تحقيق الخير وتحقيق مشاريع الخير.

يقول القرآن الكريم: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ «6» وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ «7» وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ «8» [العاديات: 6 - 8] كل إنسان يتجه نحو الخير بطبعه وفطرته.

المقوم الثاني: المعنى في الحياة.

أن يكون للإنسان معنى في الحياة، هناك أناس يعيشون بلا هدف، يعيشون حياة عبثية لا مبالاة فيها، هؤلاء لا يمتلكون شخصية سوية، لابد أن يكون لك هدف في الحياة، كل إنسان لابد أن يقرر ما هو هدفه في الحياة وإذا قرر هدفه لابد أن يقرر خارطة الطريق التي توصله إلى ذلك الهدف، فالإنسان بلا هدف إنسان عبثي عشوائي لا يمتلك شخصية سوية، لذلك يقول القرآن الكريم: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ [القيامة: 14] صاحب البصيرة هو من يملك هدفاً ويملك طريقاً يوصله إلى ذلك الهدف.

المقوم الثالث: المزج بين الحرية والمسؤولية.

لا يمكن لأي إنسان أن يعيش بلا حرية، يحتاج كل إنسان إلى حرية الاستقلال في أخذ القرار، قراراته في دراسته، في وظيفته، في زواجه.... يحتاج أن يعيش الاستقلال في اتخاذ القرار وهذا عنصر ضروري في اكتمال شخصية الإنسان، لكن لابد معه من عنصر يمتزج معه وهو الإحساس بالمسؤولية، هناك أناس يعيشون الحرية لكن لا يشعرون بمسؤولية تجاه أسرهم، تجاه مجتمعهم، تجاه إخوانهم، تجاه أرحامهم، الإنسان لا يكفي لبناء شخصيته أن يعيش استقلالية في القرار بل لابد أن يمزج بين الاستقلالية في القرار والإحساس بالمسؤولية ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ [الصافات: 24] لابد أن يكون لك حرية ممتزجة بالإحساس بالمسؤولية، أن تعيش حرية وتعيش مسؤولية تجاه وطنك، تجاه أسرتك، تجاه مجتمعك حتى تكتمل شخصتك.

معالم الشخصية السوية تعيش ثلاثة معالم:

  • المعلم الأول: أن يكون الإنسان خالياً من الاضطرابات النفسية والأمراض الخلقية.
     
  • المعلم الثاني: أن لا يعيش هذا الإنسان شذوذاً عن الطابع الاجتماعي، عندما يعيش في وسط مجتمع لابد أن يعيش التوافق مع طبع مجتمعه، إذا عاش شذوذاً فهذا يكشف عن عدم استواء في شخصيته الداخلية.
     
  • المعلم الثالث: أن يكون لأخلاقه ومواهبه أثر على مجتمعه، وعلى أهله، وعلى أسرته ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم: 6]
 المحور الثاني: في أسلوب الحياة بين الرؤية الغربية والرؤية الدينية.

كل إنسان منا يطمح أن يكون شخصية سوية هادفة وفاعلة، لكن ما هو أسلوب الحياة الأمثل في بناء الشخصية السوية؟

هنا نحن بين رؤيتين: رؤية رأسمالية، ورؤية دينية.

أغلب العالم الآن يعيش في ظل النظام الرأسمالي، والرأسمالية لها رؤية خاصة في أسلوب الحياة، أسلوب الحياة يختلف بين الرؤية الرأسمالية وبين الرؤية الدينية، وأهم الفقرات والمعالم التي تفترق فيها الرؤية الرأسمالية عن الرؤية الدينية هي ثلاثة معالم: الفردانية، وثقافة الاستهلاك، وعدم ثبات الرؤية.

الركيزة الأولى: الفردانية.

تتحدث الموسوعة البريطانية عن الفردانية تقول: الفردانية ظاهرة في الغرب ظهرت مع انتشار أفكار آدم سميث التي تركز على الفردانية في الإنسان، أي تمحور القيم في الإنسان الفرد، الإنسان الفرد هو محور الرأسمالية، بمعنى أن لا تتدخل الدولة في حياة الإنسان الفرد وأن تسمح له بقدر أقصى من الممارسة لحياته على المستوى السياسي والاقتصادي وعلى مستوى العلاقات العامة، وأن يُسمح للإنسان أن يكون مستقلاً في قراراته في كل المجالات، وأن يعطى الحرية الكاملة، هذا معنى تمحور القيم حول الإنسان الفرد.

ولكن الرؤية الدينية لا تقر بالفردانية على مصراعيها، فهناك فرق بين الفردية بمعنى التميز، والفردية بمعنى الأنانية، الفردانية بمعنى التميز أن الإنسان يمتلك مميزات على أسرته ومجتمعه، مميزات ذكاء أو قدرة بدنية، أو مميزات قدرة فنية ومهنية، فالإنسان المتميز سوف يخدم مجتمعه بمميزاته، وسوف يستغل التعاون مع مجتمعه في إبراز مميزاته لخدمة مجتمعه ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: 2] وهذه الفردانية التي بمعنى التميز يقرها الإسلام.

أما الفردانية بمعنى الأنانية وهي التي تركز عليها الرأسمالية، أن تتمحور القيم حولك أنت بغض النظر عن مجتمعك، عن بلدك، عن إخوانك، أن تتمحور القيم حول الفرد فهو مستقل في كل أموره السياسية والاقتصادية والاجتماعية، هنا يقف الدين موقف التعليق على هذه النقطة:

التعليقة الأولى: الإنسان ابن عاطفته.

كل إنسان يميل مع عاطفته، كثير من الناس تتأثر قراراتهم بعواطفهم حتى قراراتهم في زواجهم، قراراتهم في بناء أسرة، قراراتهم في وظيفتهم، كثير من الناس يتأثر في قراراته بالعامل العاطفي ويتأثر بالإعلام الذي يدغدغ عاطفته ويركز على الوتر الحساس في شخصيته، إذن مثل هذا الإنسان ليس مصيباً في قراراته خصوصاً شباب اليوم الذي يعيش مراهقة من عمر السادسة عشر وحتى الخامسة والعشرين، الشاب في هذه المرحلة في مرحلة حساسة جداً في اتخاذ القرار، فإذا قيل للشاب في هذه المرحلة أنت مستقل في قراراتك وفتح له المجال على مصراعيه دون تهذيب أو تشذيب سينتج عنه كثير من الأخطاء التي يتخذها الشاب في قراراته في هذه المرحلة، وكثير من الناس بعد أن كبروا ندموا على قرارات اتخذوها في تلك المرحلة، إذن هذه المرحلة مرحلة حساسة تحتاج إلى رعاية وتهذيب، من هنا يقول الدين أن الإنسان في المرحلة الحساسة إذا أعطيت له الحرية المطلقة في قراراته وفي جميع أموره قد يضر بالمصالح الاجتماعية بدون مبالاة ويركز على مصالحه الشخصية، من هنا يحتاج كل مجتمع إلى مؤسسات راشدة ترشد الشاب في هذه المرحلة إلى الخيارات الصحيحة والقرارات الصحيحة، وتهذب قراراته وتشاركه في فكره، ورد عن الإمام أمير المؤمنين علي : ”أعقل الناس من جمع عقول الناس إليه“ وقال علي : ”من شاور الناس شاركهم في عقولهم“ إذن الشاب يحتاج إلى خيارات ومشورات وخبرات وتجارب الآخرين، أي يحتاج إلى مؤسسات ترشده إلى القرار الأصوب في سائر مجالاته لأن المرحلة حساسة في اتخاذ القرار.

التعليقة الثانية: الإنسان له نزعة اجتماعية.

والدين يركز على النزعة الاجتماعية مقابل الرأسمالية التي تركز على الفردانية، وهذا ما نراه في الدول الغربية حيث أن النزعة الاجتماعية مفقودة رؤيتهم، بينما الرؤية الدينية تركز على النزعة الاجتماعية، الإنسان مكون من نزعتين: نزعة ذاتية وتسمى غريزة حب الذات؛ كل إنسان يحب ذاته وهذه غريزة متأصلة في شخصية الإنسان ولا يمكن إزالتها منه، وهناك نزعة اجتماعية؛ كل إنسان ولد وهو يحب المجتمع، يحب من حوله، يحب أسرته، يحب علاقاته.

فالرؤية الرأسمالية تقضي على النزعة الاجتماعية، بينما الإسلام يرسخ النزعة الاجتماعية، الإسلام عندما ينادي بحقوق الأسرة ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم: 6] فهو يرسخ النزعة الاجتماعية.

الإسلام عندما يركز على بر الوالدين ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا [الإسراء: 23] ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء: 24] أي عش مع أسرتك بنزعة اجتماعية، عش مع والديك بنزعة الرحمة واللطف والحنان.

الإسلام يركز على صلة الرحم الأخوال، الأعمام، الأجداد، الجدات، كلها بنظر الإسلام أسرة واحدة يجب التواصل معها لأن التواصل مع الرحم ينمي الروح الاجتماعية لدى الإنسان، يقول القرآن الكريم: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ [النساء: 1] ويقول القرآن الكريم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ [محمد: 22]

إذن الدين يدعو إلى توازن بين النزعة الفردية والنزعة الاجتماعية حتى يتحقق الانسجام بين مصالح الفرد ومصالح المجتمع بينما الرؤية الرأسمالية تركز على الفرد فقط وحاجاته.

الركيزة الثانية: ثقافة الاستهلاك.

نرجع إلى ما كتبته حميدة شهب كاتبة في مجال علم النفس الاجتماعي، حيث تحدثت عن ثقافة الاستهلاك وكلنا نعيش هذه المشكلة في الغرب والشرق، فما هي العلاقة بين الاستهلاك وهوية الإنسان؟ وما هو الأثر السلبي لثقافة الاستهلاك على شخصية الإنسان؟

الاستهلاك في علم النفس الاجتماعي استنفاذ الوقت والقدرة المالية والبدنية للإنسان في حاجاته الشخصية من دون النظر لحاجات غيره، ومنطلق الاستهلاك في الإنسان حاجته إلى الأمان، حاجة الإنسان إلى الأمان تدفعه إلى الاكتتاب مع شركات التأمين لتأمين حياته وتأمين سيارته، وتأمين أجهزة بيته، حاجة الإنسان إلى الأمان تدفعه لأخذ القروض المفتوحة من الشركات والبنوك لبناء بيته وتحصيل سيارته، إذن هناك حاجة في داخل الإنسان وهي حاجته للأمان تدفعه للاستهلاك، وليست الرؤية الدينية ضد الاستهلاك ولكنها ضد ثقافة الاستهلاك، أي أن يتحول الاستهلاك إلى ثقافة وعادة وطبع وسجية، هنا تقف الرؤية الدينية أما تحول الاستهلاك وهذا ما تركز عليه الرؤية الرأسمالية.

تعريف يذكره أحد علماء النفس الاجتماعي عندما يعرف الإنسان في العصر الحديث، يقول أن الإنسان في العصر الحديث كائن متسوق؛ أي أن الإنسان يصرف أوقات طويلة وأموال ضخمة وقدرات في سبيل تغيير السيارة إلى سيارة أخرى، تغيير الأجهزة إلى أجهزة أخرى، متابعة أحدث الموضات والموديلات والأجهزة والمنتجات، هكذا يكون الإنسان غارقاً في رحى الاستهلاك بحيث يتحول الاستهلاك إلى ثقافة عند هذا الإنسان، ولثقافة الاستهلاك عدة آثار سلبية:

  • الأثر الأول: إعاقة الإنسان عن المشاركة في الحياة العامة، يخرج الإنسان من الصباح للعمل ويرجع آخر النهار متعب منهك لا حوصلة عنده ولا قدره لديه لا للدعاء ولا للنافلة، ولا حتى للثقافة أو مشاهدة برامج ثقافية، ولا لرعاية أطفاله وأهله، يعيش حالة من الاستهلاك وقته مستوعب للعمل، ساعات راحته محدودة، لا وقت عنده لأن يتذوق طعم الدعاء وطعم القرآن، ولا وقت عنده لأن يتذوق طعم الثقافة، ولا وقت عنده لأن يتذوق طعم الراحة والاستجمام مع أطفاله لأن وقته مشغول، هذا معنى أن ثقافة الاستهلاك تعيق الإنسان عن المشاركة في الحياة العامة، وتضعف الروح الاجتماعية لدى الإنسان، وتضعف الإحساس بالآخرين لأنه يعيش دوامة من الاستهلاك لا تنتهي أبداً.
     
  • الأثر الثاني: تغيير ثقافة الإنسان، هل تعلم أن شركات الإنتاج تغير ثقافتنا ونحن لا نشعر! قبل اختراع الهاتف الذكي كانت ثقافتنا على الكتاب، وقبل أن نتعرف على السوشال ميديا كانت ثقافتنا مركزة ومحصورة، شركات الإنتاج باختراع الهاتف الذكي وبالانفتاح على الانترنت، والانفتاح على الفضاء المفتوح غيرت ثقافة الإنسان المعاصر شاء أم أبى، شركات الإنتاج مصحوبة بالإعلانات والدعايات والإعلام الجذاب تؤثر على ثقافة الإنسان ولذلك ترى فتياتنا ونساءنا هم أسرع الناس للانجذاب إلى الإعلانات والدعايات، يتابعون أحدث الموضات في مستحضرات التجميل ومواد الزينة ومختلف الأزياء لأنهم يعيشون ثقافة الاستهلاك، ثقافة الاستهلاك غيرت من ثقافتهم حتى أصبح الإنسان عضواً في مجموعة المستهلكين.
     
  • الأثر الثالث: إشغال حياة الإنسان، مثلاً هذا الإنسان كما ذكرنا هو في وظيفة يخرج من الصبح ويعود آخر النهار منهك ومتعب وليس لديه وقت لأي شيء، وبمجرد أن تأتي الإجازة الصيفية تأتي الإعلانات كيف تقضي إجازتك، في أي بلد ستقضي إجازتك، وفي أي سفرة مريحة تقضي فيها إجازتك، إعلانات للسفر، إعلانات لوسائل السفر، إعلانات لأفضل البرامج التي تشاهدها، أي أن الإعلام يشغلك طوال السنة ويشغلك حتى أيام الإجازة الصيفية، أنت مشغول بمظاهر الاستهلاك في كل حياتك، حتى إذا أردت أن تدخل إلى السوق فإنك تستهلك وأنت في السوق، كل الأسواق والمولات فيها المطاعم والمقاهي ودور السينما، تستهلكك شئت أم أبيت.
     
  • الأثر الرابع: أن أبناءنا وأجيالنا يتربون على هذه الثقافة، تربيهم ثقافة الاستهلاك على غريزة حب التملك وحب الاستئثار، حب الخدمة لنفسه وذاته، سيصبح أجيالنا بلا ضمير اجتماعي وبلا إحساس ببلدهم، ولا إحساس بغيرهم لأنهم عاشوا في ظل ثقافة الفردانية والاستهلاك.
     
  • الأثر الخامس: يقول هانا أرنت أحد علماء النفس الاجتماعي ثقافة الاستهلاك حولت الإنسان من صانع مبدع إلى حيوان عامل.

إذن ثقافة الاستهلاك إذا طغت كما طغت في ظل الرأسمالية نتجت عنها آثار سلبية خطيرة جداً، من هنا الرؤية الدينية طرحت عدة مبادئ:

  1. المبدأ الأول: قيمة الإنسان بإنتاجه، ماذا يقدم من نتاج وعطاء لمجتمعه، ورد عن الإمام أمير المؤمنين : ”قيمة كل امرئ ما يحسنه“ الكثير من شبابنا الآن عندما يختار تخصص لدراسته يختار التخصص السهل أو الذي يأتيه بالمال أكثر، وهذه المشكلة التي ربت عليها ثقافة الاستهلاك أبناءنا، والصحيح أن تختار التخصص الذي يقدم إنتاج وعطاء أكثر للإنسانية والحضارة الإنسانية، لتكن ثقافتك ثقافة إنتاج ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك: 2] هذه ثقافتك، لا أن ثقافتك بالمال والثروة والراحة.
     
  2. المبدأ الثاني: الدين يدعو إلى بناء حضارة، يقول القرآن الكريم: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا [هود: 61] أي طلب منكم أن تعمروا الأرض وتبنوا الحضارة على الأرض ولكن ليس كما يبنيها الرأسماليون، الحضارة تحتاج إلى دعامة تكنولوجية كما في الغرب لكن تحتاج إلى دعامتين أخريين: الدعامة الأخوية، أن يعيش المجتمع روح الأخوة، أن تشعر أن بينك وبين جارك علاقة أخوة، أن تشعر أن بينك وبين أسرتك علاقة الرحمة، أن تشعر أن بينك وبين أرحامك علاقة العطف والمساعدة، أن تعيش روح الإخوة ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: 10] إذن الحضارة مبنية على روح الأخوة بين أبناء المجتمع الإنساني، يقول القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات: 13] والدعامة الثانية: أن تكون ضميراً حياً لآلام مجتمعك، تعيش في مجتمع يعيش حاجات وطلبات ومآسي وألوان، فإذا لم تكن ضميراً يعيش بآلام مجتمعه ولا يشعر إلا ببطنه وجيبه ووسادته وسيارته إذن أنت منغمس في الحضارة الرأسمالية، بعيد عن الرؤية الدينية؛ لأن الرؤية الدينية تركز في الإنسان أن يكون ضميراً حياً بآلام مجتمعه ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: 92] ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [البقرة: 3].

الركيزة الثالثة: عدم ثبات الرؤية.

الشرق مجرد متلقي من الغرب، جاءت الحداثة فتلقاها الشرق، ونحن الآن نعيش في فترة ما بعد الحداثة، منذ خمسينيات القرن الماضي مجموعة من الفلاسفة الألمان والفرنسيين جاؤوا بتيار ما بعد الحداثة خصوصاً عالم الاجتماع البولندي باومن، وهذا التيار يقرر مفهومين:

  1. المفهوم الأول: يقول المنظر الشهير لتيار ما بعد الحداثة فرانسو لو باتر يقول لا يمكن تحقيق إنسانية الإنسان إلا بتجاوز الله، الوحي، النبوة، القضاء، القدر، التشريع السماوي.
     
  2. المفهوم الثاني: لا توجد إيديولوجية ثابتة فكل أفكارنا تتغير وتزول، وهذا يعني نسف المعتقدات الدينية، لأن المعتقدات الدينية كلها أفكار ثابتة لا تتغير، كلها أفكار قطعية ثابتة بينما تيار ما بعد الحداثة يقول لا يوجد ما بعد الحداثة أفكار ثابتة، أنت ابن ساعتك، كل ساعة في فكر ورأي وحقيقة مختلفة، حتى الأخلاق الآن بدأ التنازل عنها، حتى القيم والأخلاق بدأ مسخها بحجة أنه ليس عندنا مقدسات وليس عندنا إيديولوجية ثابتة، وبالتالي ما كان في مصلحتك فهو خلق جميل، العدل والظلم والأمانة والصدق تدور مدار مصلحة الإنسان والقيم الفردية للإنسان وليس هناك أخلاق ثابتة وإيديولوجيات ثابتة، وهذا تماماً يتعارض مع الرؤية الدينية.

الرؤية الدينية تركز أن هناك مقدسات وأخلاق وقيم ثابتة، ولا يمكن للإنسان أن يحقق إنسانيته إلا إذا عاش هذه القيم الثابتة، أن يعدل ولو كان خلاف مصلحته، أن يصدق ولو كان خلاف مصلحته، أن يكون أمين ولو كان خلاف مصلحته، وهؤلاء هم الصفوة المنتخبة الذين حققوا قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا [القصص: 77] جعلوا الآخرة نصب أعينهم، صحيح بنوا دنيا، تزوجوا، وأنجبوا، واشتروا، وباعوا ولكنهم وضعوا الله نصب أعينهم فلا يزيغوا عن القيم والمثل الإنسانية العظمى، ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [القصص: 77]

وقال عنهم القرآن: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [الأحزاب: 23] هكذا كان الحسين بن علي الذي وضع الله نصب عينيه وضحى بكل ما عنده في سبيل الهدف الأسمى، يقول الحسين في كلمته العظيمة: ”ألا وإني زاحف بهذه الأسرة مع قلة العدد وخذلان الناصر“ أي أن كل أسرتي وكل ما عندي أقدمه لهذا الهدف العظيم، هكذا كان الحسين وهكذا استقى منه أصحاب الحسين.

الإسلاموفوبيا والإعلام المشوّه
القيم الإنسانية والدين